tunisie
nahdha_tunis logonahdha
البدايــة > أخبــار الموقع
  
  
القـسم
oarrow.gif أخبار
oarrow.gif مختارات
oarrow.gif آراء حرة
oarrow.gif مقــالات
oarrow.gif الافتتاحية
oarrow.gif بيانات
oarrow.gif حوارات
oarrow.gif روضة الدعوة
قضايا تونسية



اخترنا لكم

أزمة الحكم الجديد في موريتانيا


الأزمة المالية العالمية.. التشخيص والمخرج


أميركا أمام صوغ استراتيجية جديدة


لماذا الخوف من التغيير؟؟

حملة تضامن
soutien pour palestin
بيانات
رأينا
ملفات
مواقع دعاة
الشيخ القرضاوي

الشيخ مولوي


الشيخ سويدان


الأستاذ عمر خالد


alrewak


الشيخ البوطي




بيانات تصفك بموقعنا
لتصفح أفضل

مرحبا, أيها المتصفح
رقمك / IP: 38.103.63.57
الملقم:63.57
التعريف :103
حوار مع العلامة آية الله العظمى السيد محمد حسين فضل الله [*]ج 1
الأحد, 13. جويلية 2008

حاوره فوزي الصدقاوي

كان السيد بقراءاته النقدية للحركات الإسلامية يقف على أمراض الفكر ووهنه وعلل التجربة ومحاذيرها ويحيط بتأملاته مشكلات الحركات الإسلامية التي إستنبتها الماضي


وتلك التي إستنطقتها العقول لأجل حداثة الفكر والسياسة[١] وفي منتصف التسعينات[2] من القرن الماضي وحين كان وعي النخبة في تونس يتنكر بصمته للحركة الإسلامية وجوداً ومحنةً وحين كانت جدران الصمت تلف عذابات الآلاف من أبناء تلك الحركة وقياداتها ، كان السيد يقف غير بعيد عن اللحظة التونسية ولا بمنأى عن تفصيلاتها .. يتابع تجربة الإسلاميين ومحنتهم و ينصح التجربة ويشد على أيدي شبابها ويرشدُ بواكير صحوة جديدة لن يطول إنبلاجها ولن تُـبْطِىءَ في البلاد إنتشارها .

-------------------------

سماحة السيد محمد حسين فضل الله، أود أن أطرح عليكم بعض الأسئلة المتعلقة بواقع الحركة الإسلامية عامة والحركة الإسلامية بتونس على وجه الخصوص،لاسيما وأنكم تابعتم الحملة التي شُنَتْ ضد أبناء الحركة وأنصارها، وما خلفته من أثار سلبية على الحياة السياسية عامة.

وهذه أسئلتنا :

لقد أنتجت الصحوة الإسلامية في الساحة الفكرية الإسلامية عربياً وعالمياً تحولات من خلال مراجعات نقدية كانت تُعتبر في الأعراف الثقافية التقليدية من الموضوعات البائدة، من قبيل: الدين والسياسة، أوروبا والإسلام، علمانية الدولة، الديمقراطية و الإسلام، الحداثة والإسلام، الأصالة والمعاصرة. غير أن هذه الصحوة وفي سياق الحركات السياسية الإسلامية ظلت إلى حدٍ ما بمعزل عن المشاركة الجدية في هذه المراجعات الفكرية النقدية والحال أن موضوعات هذه المراجعات موضوعاتها، ألا ترون أن تخلف الحركات الإسلامية عن إنجاز مهمة إعادة قراءة تاريخها ومواجهة المشكلات الفلسفية والتاريخية العالقة وبلورة رؤاها إزاء فكر الحداثة يُعبٍر ليس فقط عن قصور ذهنية الحركة الإسلامية عامة بل وعن إخفاقاتها السياسية فى الواقع.. فماذا تنصحون في هذا السياق ؟[3]

بسم الله الرحمن الرحيم لعل مشكلة الحركات الإسلامية أنها ولدت من غير دراسة موضوعية للأفاق الواسعة الملبدة بأكثر من ضباب من حولها، كما أنها لم تدرس المسألة من خلال وضع خطة تتناول المسألة الفكرية في ساحة الصراع الفكري إلى جانب المسألة السياسية والاجتماعية وبالتالي الأمنية. فقد انطلقت الحركات الإسلامية غالباً من موقع رد الفعل على أساس أن هناك تيارات «علمانية كافرة» تحاول أن تحتوي الساحة الإسلامية وتظلل المسلمين وتنحرف بهم عن الصراط المستقيم وأن هناك واقعاً سياسياً يتحرك من خلال السياسات الغربية لتفرض نسق الغرب على الواقع الإسلامي وأن هناك استعمارا غربياً مباشراً يحتوي الساحة الإسلامية بكل ضغوطه وتحدياته وتعدياته فكانت الحركات الإسلامية غالباً منطلقة من أنه لابد من حركة ثم نفكر بعد ذلك ماذا هناك ..!

ومن هناك بدأت الحركات الإسلامية في كثير من مواقعها من ذهنية سلفية مستغرقة في الماضي لأجل أن تنقل الواقع إلى الماضي بدلاً من أن تبحث في الماضي ما يبقى منه للواقع ثم هي تطرد من الواقع ما مات في الماضي، ومن هنا فإن وجود الذهنية السلفية من جهة وذهنية رد الفعل من جهة أخرى واستغراق الجميع في الواقع السياسي والأمني من جهة ثالثة قد جعل الحركة الإسلامية في ما يشبه الغيبوبة عن المسألة الثقافية التي ربما كانت تمثل الجذر العميق والقوي لأية حركة إسلامية ولعل السبب في ما أقول أن جيلنا المعاصر يتربى في المدارس الحديثة الموضوعة على المنهج الغربي، سواء منها الثانويات أو الجامعيات، وأن الدراسات الإسلامية في هذه الجامعات يغلب عليها المنهج الإستشراقي أوالمنهج الغربي الذي لاينقل الصورة الإسلامية بطريقة صحيحة أوهو يحاول أن يُعـقد الكثير من حركة المنهج في طريقة استنباط المفهوم الإسلامي من النص الإسلامي على أساس الظروف التي أحاطت بالواقع الغربي التي جعلت الذهنية الغربية صورة لها.

لذلك فقد نشأت الحركة الإسلامية في أغلب مواقعها منطلقة لاحتواء المسألة السياسية التي إستعجلتها من دون أن تركّز الأرضية اللازمة وربما فكر الكثيرون من القائمين على الحركة الإسلامية بالتحرك المباشر الذي يواجه الحاكم أو يواجه القوى المضادة من دون أن يدرسوا الخطة التي تقف على موازين القوى والظروف السياسية الدولية والإقليمية المحيطة بهذا البلد أو ذلك البلد والحركة المخابرتية الدولية التي تعمل على أساس أن تصنع ملكاً هنا ورئيساً هناك وأميراً هناك وأميراً و وزيراً وشخصية سياسية وشخصية دينية من أجل توظيف كل هؤلاء في سبيل محاصرة الواقع الإسلامي بمختلف الوسائل والأساليب .

لذلك فإن فكرة الإنقلابات العسكرية لم تنجح حتى على مستوى المواقع القومية والمواقع الشيوعية واليسارية بالمستوى الذي أراد لها أصحابها، فكيف لها أن تنجح في الواقع الإسلامي الذي لم يمهّد له الأرض بالطريقة التي تجعل للحركة الإسلامية قوة ميدانية على مستوى الشارع الإسلامي.

إن هذه النقاط التي تحركت في الساحة ربما أثّرت في أكثر من موقع ضعف في الحركة الإسلامية فاستطاعت القوى المضادة أن تسلط أساليبها الأمنية في هذا الموقع وأساليبها السياسية وأساليبها الإعلامية التي حاولت أن تشوه الحركة الإسلامية هنا وهناك وبقيت الساحة حائرة في المفردات التي طرحها السؤال: مسألة الدين والدولة...لأن الكثيرين ممن يعيشون حالة الإسترخاء من علماء الدين ومن المثقفين أصبحوا يَنظرون إلى الدولة التي يحاول الدين أن يصلحها، لا التي يمثل القوة الحاكمة فيها، وهكذا نجد أن الكثيرين حاولوا أن ينكروا أن يكون للإسلام دولة، والواقع أن الدين يحاول أن ينصح ويتحرك بطريقة أخرى من أجل الناس وتوجيههم لأن الله لم يجعل الداعية الإسلامي كما هو النبي صلى الله عليه وآله لم يجعله مسيطراً وإنما جعله مذكّراً على طريقة (وذكر إنما أنت مذكر*لست عليهم بمسيطر)[الغاشية-٢٢.٢١] ولم يلتفتوا إلى أن الله سبحانه وتعالى أكّد حقيقة(ولقد أرسلنا رسلنا بالبينات وأنزلنا معهم الكتاب والميزان ليقوم الناس بالقسط..) [الحديد-٢٢.٢١] عندما اُعتبر الدين قاعدة قائمة على العدل والعدل لايتحرك بدون دولة تمسك بكل عناصره القانونية والتمثيلية ، بكل قوة وتخطيط فلا مجال لأن نقيم العدل بدون عدل الحاكم وعدل الحُكم وعدل المحكوم وعدل القانون وما إلى ذلك مما لايمكن أن يتمظهر ليصل إلى غايته، إلا من خلال الدولة .

وهكذا عندما ننطلق في مسألة الأصالة والمعاصرة والحداثة فإن الأصالة لاتعني أن ننطلق إلى جذورنا القديمة فنأخذها كلها ونعتبر أنّها خالدة فهناك أصالة في الإنتماء الإسلامي بإعتبار الإسلام يمثل دين الله الذي لا يخضع للماضي ولا للحاضر ولا للمستقبل لأنه دين حياة ولكن هذا الدين قد يختلف حاله بين مجتهد يفهمه بطريقة ومجتهد يفهمه بطريقة أخرى وبين عناوين قد تكون محدودة بزمن معين وعناوين منفتحة على الزمن كله، لذلك فإننا في الوقت الذي نؤكد على الأصالة فإننا لانبتعد عن المعاصرة لأن المعاصرة ليست أن تخضع للعصر بكل مفاهيمه وأفكاره بل المعاصرة أن تحرّك الفكرة في إتجاه قضايا العصر من خلال مشكلاته وأوضاعه وأحداثه لتستفيد من وسائله و أساليبه وأجوائه ما يمكن لك أن تلائم بين ما عندك من فكرة وثقافة وحركة وما هو في العصر،

لذلك ففي الوقت الذي نؤكد فيه على الأصالة بمعنى الرجوع إلى الجذور التي تتحرك في عناصرها الأصيلة التي تتحرك مع الزمن كله،نحن في الوقت نفسه نؤكد على المعاصرة بمعنى أن نفهم روح العصر وذهنيته لنحرك فكرنا في واقع العصر، الثقافي والسياسي والإجتماعي والإقتصادي والأمني .

إننا في الوقت الذي نؤكد على بعض نقاط الضعف الثقافية والحركية لدى الحركة الإسلامية لاننسى الكثير من نقاط القوة التي لاتزال موجودة في الساحة وفي السجون وفي المهاجر ومواقعها التي تحركت فيها بالرغم من الحرب العالمية التي يثيرها الإستكبار العالمي ضدها لأن ما يسمونه

« الأصولية»وهو التعبير السياسي عن الحركة الإسلامية المنفتحة على قضايا الحرية والعدالة..

لأن هذه الأصولية كما يسمون استطاعت أن تركّز وجودها وأصبحت تمثل في وعي الإستكبار العالمي الخطر الكبير الذي نعرف مدى خطورة القوى التي تتحرك لأجل مواجهته في العالم.

إننا نعتقد أن هناك عناصر قوة موجودة في داخل الحركة الإسلامية تجعلنا نشعر أن هذه الحركة الإسلامية ستستفيد من هذه الأوضاع الإيجابية لأن أي حركة فاعلة لابد أن تتغذى من تجاربها وأن تطلع على نقاط ضعفها من خلال حركتها التي تكشف لها حاجاتها في هذا الجانب أو ذاك الجانب فالمهم أن تستفيد من هذه التجارب .

لعل أهم مقومات الحداثة الأوروبية التي يمكن للحركة الإسلامية أن تستفيد منها هي مقولة المؤسسة أو العمل المؤسساتي التي لم تستطع هذه الحركات أن تستثمرها إلا في معناها الحزبي الضيق الشيء الذي شطر الساحة السياسية الإسلامية إلى حركات تعيش خياري الهزيمة أو النصر بالمعنى السياسي وإلى أفراد يعيشون فيها خياري الانعزالية أو التهميش ، كيف يمكن برأيكم أن نتصور توظيفاً جاداً ومثمراً في عموم رسالة الإسلام لمفهوم المؤسسة والعمل المؤسساتي في حياة الإسلاميين الحركيين [4 ]

لعل المشكلة الموجودة لدينا في الشرق وفي الغرب الملحق بالشرق في العالم الإسلامي والذي يمثل القاعدة الكبرى للمسلمين، هي حالة الإنفعال التي تحدّق بالزاوية المغلقة والتي لا تنفتح على الآخر والتي ترتبط بالبطل أكثر مما ترتبط بالخط .ولهذا فقد أصبحنا نعطي الخط إسم البطل ، فهناك الناصريون في المجال القومي أو الخمينيون التي انطلقت في المجال الإسلامي أو ما إلى ذلك من الكلمات التي أصبحت تربط الخط بالبطل ليكون الخط منتمياً إليه، بحيث تكون قيمة الخط من خلال قيمة البطل بدلاً من أن تربط البطل بالخط ليكون البطل بطل الخط وقائده ورائده الذي إن غاب عنه جاء بطل آخر ليكون له وجهة نظر في الخط مختلفة عن سالفه .

مشكلتنا هذا النوع من عبادة الشخصية الذي غلفناه بتقديس القيادة أو الشخص أو ما إلى ذلك.. فأصبحنا نتحرك مع شخصيات التاريخ أكثر مما ننفتح على شخصيات الحاضر.

إن هذا أوجد مشكلة فيما يتعلق بالمؤسسة ، لأن الشخص يختصر المؤسسة عندما يكون على رأس المؤسسة حتى أن الناس لا يتقبلون المؤسسة بعيدا عن الشخص، لذلك لابد من تغيير الذهنية الإنفعالية في وعي الواقع وفهمه وحركة العمل.

وأعتقد أن الذهنية الموضوعية الإسلامية التي نتمثلها في القرآن من خلال الحديث عن الحاضر والماضي تعني أن الماضي سوءا كان شخصاً أو جماعة هو مسؤولية الذين صنعوه والحاضر هو مسؤولية الذين يعيشون فيه ويحتاجون أن يصنعوه،وهكذا فعندما تحدث الله على الأشخاص، تحدث عنهم كأصحاب رسالة ولم يتحدث عنهم كأشخاص يمثلون المركز الذي يستغرقُ الناسُ فيه، بل يمثلون الدور الذي يتحرك الناس معه .

لذلك فنحن لسنا مسلمين أو إسلاميين في هذه الذهنية التي تدور حول الشخص كما لو كانت تقدسه أو تعبده في بعض الحالات ،إن علينا أن ننطلق في تربيتنا من خلال المنهج الإسلامي في طبيعة علاقة الأشخاص بالقضية وعلاقة الناس بالأشخاص لتكون المسألة: مسؤول يمارس دوره وأناس يتحركون معه في خط المسؤولية بحيث يخرج الشخص عن معنى ذاته ليدخل في معنى رسالته .ولعلنا تحدثنا أكثر من مرة أن نبينا صلى الله عليه وآله وهوالذي يحتل أعلى موقع في التقويم الرسالي الديني، أننا نتمثله بوصفه رسول الله ولا نتمثله بوصفه إبن عبد الله فتلك صفة ذاتية ينتسب إليها كما ينتسب أي أحد إلى أبيه أو عائلته ولكن المسألة أن علاقتنا به أنه رسول ( وما كان محمد أبَ أحد من رجالكم ولكن رسول الله وخاتم النبيين ) [الأحزاب-٤٠] (وما محمد إلا رسول قد خلت من قبله الرسل أفإن مات أو قتل انقلبتم على أعقابكم ومن ينقلب على عقبيه فلن يضر الله شيئاً وسيجزي الله الشاكرين ) [آل عمران-١٤٤].

إذا مات الرسول فلن تموت الرسالة إن ارتباطكم بالرسول من خلال دوره ومن خلال قوله وفعله وتقريره وليس ارتباطكم بالرسول من خلال الشخص حتى إذا مات الشخص ماتت الرسالة ومات الدور، عليكم أن تسيروا حيث سار وأن تتحركوا حيث تحرك وأن تأخذوا من الفرص التي وضعت بين أيديكم في خط الرسالة وأن تجددوا الوسائل والأساليب وأن تنفتحوا على المتغيرات لتستلهموا الرسالة، إنني أقول إن علينا أن نرجع إلى التعاليم القرآنية لنأخذ منها المنهج الموضوعي الذي يفسح المجال لذهنية المؤسسة بعيداً عن ذهنية الشخص.

إن عرض الإسلام اليوم في وسائل الإعلام الغربية في صورة «الخطر المرعب» و«الإرهابي الأصولي المتغطرس» إنما أريد له بذلك إجهاض تجربة الحركات الإسلامية الرصينة والفاعلة إيجابياً، غير أن هذه الصورة تظل تقدم بالرغم من ذلك بعضاً من الواقع السلبي الذي تعيشه حقيقةً بعض الجهات الإسلامية، الشيء الذي أفرغ المضمون الحضاري لرسالتها ، فأي صورة للإسلام على أساس هذا الواقع يجب أن تعمل الحركات الإسلامية لأجل تحريك خطوط مشروع عالميتها.

مشكلة الحركات الإسلامية في العالم أنها لاتملك منهجاً موحداً في حركة الصراع كما أنها لاتملك منهجاً موحداً في فهم الإسلام وفي حركيته الفاعلة في مجال الدعوة ومجال التحدي، فهناك من انطلق في فهمه للإسلام بطريقة حادة لا تتوقف أمام الاحتياط في الدماء وفي الأموال والأعراض وإنما تطلق حكماً مرتجلاً سريعاً عاصفاً يمكن أن يحرّك الكثير من الأعمال السلبية، فهذا اللون من الحركات التي تختلط لديها المسألة الفكرية بالمسألة التربوية، يعود إلى أن بعض هؤلاء عاشوا تربية حادة ومعقدة في بيئة فرضت نفسها على تفكيرهم وساعدهم على ذلك بعض المفاهيم القلقة الموجودة في الإسلام ، تلك المفاهيم التي تحتاج إلى كثير من الدقة والتأمل في هذا المجال .

ولعل هذا هوالذي يطبع بعض الفصائل الإسلامية الموجودة في ساحتنا المعاصرة والتي قد تنتسب إليها بعض الأحزاب التي تشوّه صورة الإسلام، مع تحفظات كبيرة عندنا، في أن كثيراً مما يُنسب إلى هؤلاء ،لم يقوموا به، بل قامت به المخابرات التي إستغلت بعض أعمال هؤلاء وحاولت أن تستفيد مما علق بأذهان الناس، بأن مثل هؤلاء يعملون ما يعملون بشكل سلبي، لذلك فهي تقوم بهذا الدور فتقتل وتشوه وتعمل ما تعمل ثم تَنسِبه إلى الجهات الإسلامية .

لكن في الوقت نفسه نقول أن هذه الصور المرعبة والإرهابية المنسوبة للواقع الإسلامي لم تنشأ فقط من خلال هذا الجو المعقد بل إن الإعلام الإستكباري يحاول أن يُحمّل المسلمين في صراعاتهم بعض الأوصاف التي لا عدالة في تحميلهم إياهم.

إن أمريكا تتحدث عن المجاهدين في لبنان أنهم إرهابيين وتتحدث عن المجاهدين في فلسطين أنهم إرهابيين وتتحدث عن الذين يدافعون عن حرياتهم أنهم إرهابيين، إن كلمة الإرهابي والمتطرف وما إلى ذلك من الكلمات، إنما يحاول الإعلام الغربي أن يُلصِقها بهؤلاء في الوقت الذي يَعتبر أن الذين يتحركون بالسلاح ضد بعض الجهات الأخرى(السوفيات) وهي التي تمثل قوة مضادة للمعسكر الغربي الإستكباري.... تسميه جهاداً،فأمريكا التي تتحدث عن المجاهدين في لبنان و فلسطين أنهم إرهابيون هي التي أطلقتْ لقب المجاهدين على المقاومين في أفغانستان لأنهم كانوا يواجهون السوفيات.

فعلينا أن لا نسقط تحت تأثير الإعلام الإستكباري الذي يحاول أن يتحدث عن الإسلاميين أنهم لا يتحركون إلا من خلال العنف ولا يجدون غير العنف بديلاً ولا يأخذون بالأساليب السلمية والحضارية وما إلى ذلك.

فهم حشروا المسلمين والإسلاميين في الزاوية ،احتلوا أرضهم ولا يريدون لهم أن يقفوا ضدالإحتلال،قيّدوا حريتهم ولا يريدون لهم أن يثوروا حفاظاً على حرياتهم وما إلى ذلك .

إننا نُحِبُ أن نقول إن القوة ليست الوسيلة الإسلامية الوحيدة في ساحة الصراع بل إن الرفق هو الوسيلة الأساسية( لاتستوي الحسنة ولا السيئة إدفع بالتي هي أحسن فإذا الذي بينك وبينه عداوة كأنه وليٌّ حميم) [فصلت-٣٤]. ولكن عندما ينطلق العنف الآخر لا بد للقوة أن تكون الوسيلة التي يمكنك بها أن تحمي نفسك وموقعك وبلدك و إنسانك.

ـــــــــــــــــــــــــــــ

[*] سماحة آية الله العظمى السيد محمد حسين فضل الله هو مرجع شيعي مشهور ولد في مدينة النجف الأشرف في العراق سنة ١٩٣٥ حيث درس في إحدى حوزاتها العلمية وأصبح بعدها أستاذاً للفقه والأصول. يقيم في لبنان منذ سنة ١٩٦٦ حيث أسس حوزة المعهد الشرعي الإسلامي وعدة جمعيات خيرية ودور للأيتام . يتقلد السيد محمد حسين فضل الله عشرات الملايين من المسلمين الشيعة وله مؤلفات كثيرة نذكر منها: الإسلام ومنطق القوة/ مع الحكمة في خط الإسلام/ مفاهيم إسلامية/ قضايانا على ضوء الإسلام/ إرادة القوة/ قضايا إسلامية معاصرة/ الحركة الإسلامية: هموم وقضايا/ الإسلاميون والتحديات المعاصرة/ في آفاق الحوار المسيحي الإسلامي/ أمراء وقبائل/ حوارات في الفكر والسياسة والاجتماع/ أحاديث في قضايا الاختلاف والوحدة/ تحديات الإسلام بين الحداثة والمعاصرة/ الإسلام والمسيحية بين ذهنية الصراع وحركية اللقاء/ الإسلام وقدرته على التنافس الحضاري/ المدنّس والمقدس/ أربعة عشر جزءاً تتألف من المحاضرات الأسبوعية التي يلقيها السيد كل ليلة سبت في مدينة السيدة زينب ،عشر كلمتر عن العاصمة دمشق- سوريا. وقد تعرض بسبب مواقفه المناهضة للكيان الصهيوني و سياسة الولايات المتحدة الأمريكية في العالم إلى عدد من محاولات الإغتيال .

[1]لايزال خطاب السيد محمد حسين فضل الله منذ سنة ١٩٩٦ ينبض بالحياة رغم أن إثني عشر سنة قد إنقضت من يومها،ومع أن ما أفصح عنه هاهنا معلوم لدى قرائه وغير جديد لدى مريديه ومتقلديه ، إلا أن ما كانت تبلغه، من الوضوح، تلك «الرؤيةالإسلامية- الإنسانية» التي تصدر عنها تصريحاته،كانت تقابلها على مستوى الواقع في المجال العربي الإسلامي انتكاسة للعقل السياسي الذي إرتد ولا يزال يرتد إلى مرحلة ماقبل العقد الإجتماعي،بعد أن عجز عن أن يجعل للمشتركات( الكلمة السواء) مجالاً ممكناً للفعل السياسي وذلك بالنظرإلى ما آل إليه واقع المسلمين في العشرية الأخيرة من تردي وسقوط في مستنقعات العنف ( بين السنة والشيعة وبين العرب والكرد في العراق..وبين المسلمين والأقباط في مصر و بين الشماليين و الجنوبيين في السودان من جهة ثم بين السلطة وأهالي مقاطعة دارفور من جهة ثانية... وبين الطوائف الدينية في لبنان بعضها في مواجهة بعض والطوائف السياسية بعضها ضد بعض...كما بين العرب والأمازيغ في بلاد المغرب الإسلامي وبين الفلسطينيين[ فتح وحماس] في فلسطين المحتلة) فـلم تستطع الدولة القطرية الحديثة وبعد ما يزيد عن الخمسة عقود من جهود التربية و التعليم ونشر ثقافة الوحدة الوطنية(القطرية)من أن تأسس للمشتركات، لا داخل المجال المجتمعي تلك الكيانات القطرية و لا فيما تَوَفر من اُطر رخوة من مثل جامعة الدول العربية أو منظمة المؤتمر الإسلامي ،فـالدول القطرية الحديثة هذه، لم تستطع أن تستوعب الطبيعة التاريخية للتعددية الإثنية والقبلية والثقافية والإيديولوجية و الدينية والمذهبية التي عليها مجتمعاتها وهوما جعل وسيجعل بصورة دائمة من إنفجار تلك الأنسجة المتعددة ، عنواناً للطائفية عند كل أزمة سياسية شهدتها وستشهدها المنطقة. وقد كان السيد شديد الحرص على اعتبار تلك الطبيعة التعددية معطاً يجب قبوله وإستيعابه كما يتوجب بحسبه أيضاً بصورة جذرية معالجة الذهنية التي ظلت تنتج فكراً اُحادياً لا ينسجم إلا مع مقدماته و مجاله الإشكالي ولا يُعنى بالغير من المشاركين له في الوجود إلا إن إحتملته الأنساب القبيلية القديمة أوالثقافات العامية غير العالمة أوالإيديولوجيات الأصولية المنغلقة أو التصورات الحرفية للنص الديني أو الشروط المذهبية الضيقة وجميعها أليات ناظمة وحاكمة في تلك الذهنية وفي نمط إنتاج الفكر والسياسة/السلوك .

[2] في موفى سنة ١٩٩٦ أثمراللقاء بسماحة السيد محمد حسين فضل الله ،حواراً انشغلت فصوله بهموم الفكر الإسلامي وحركاته كما بواقع الحركة الإسلامية بتونس بعد الحمل عليها، لاسيما وأن محنة قياداتها و شبابها قد بلغته أصداؤها ،ولأن عدداً من الأفكار التي تناولها السيد في حديثه منذ إثني عشر سنة حول تحرير الذهنية من ماضويتها ومذهبيتها وانتماءاتها الضيقة من جهة وحول حقوق الأقليات وخصوصياتها سوءا الإثنية أوالدينية أوالثقافية من جهة ثانية وحول تعاطي الحركة الإسلامية مع مقولات الحداثة والعلوم الإنسانية وإستثمارها وهضمها في نطاق البحث الشرعي من جهة ثالثة وما حمله خطابه إلى الشباب في تونس في حينها من معاني الصبر والمصابرة،قلتُ لأن عدداً من هذه الأفكار وغيرها مما جاء في حديث السيد يُطرح اليوم عبر وسائل الإعلام بمناسبة نقد« الحركات الإسلامية المتشددة» وتُقدم هذه الأفكار من لدن مثقفين متنورين بوصفها مقترحات للحركة الإسلامية لها/ عليها أن تطور نفسها من خلالها، من غير أن يُشار إلى أن رجالاً للعلم الشرعي ، عَتّمت عليهم طويلاً وسائل الإعلام ، كانوا منذ عقود يَعملون على تنوير الأجيال بأفكارهم التقدمية تلك. كل هذا حملنا اليوم على نشر الحوار بعد أن ظل نصاً سمعياً في حوزة المرتضى بمدينة السيّدة زينب وخارجها.

[3] لم تكن الحركات الإسلامية في العالم العربي بعد نكسة ١٩٦٧ تهتم بتلك الحركة النقدية التي عرفتها الساحة السياسية والفكرية. وكل المراجعات النقدية التي شرع في إنجازها عدد من المفكرين من مثل الدكتور عبد الله العروي والدكتور الطيب التيزيني والدكتور محمد العابد الجابري والدكتور حسن حنفي...وكل الإشكاليات التي كان يعالجها المثقفون العرب من مثل : الإسلام والغرب، الحداثة والإسلام ،نحن و التراث ، الديمقراطية والحكم الرشيد ، الدين والدولة ، المواطنة والشريعة ، الدولة المدنية والإسلام.... كانت بعيدة عن مشاغل الحركات الإسلامية رغما عن أن تلك الموضوعات، إن لم تقع في صميم مشاغل تلك الحركات الإسلامية فهي واقعة لامحالة على تخومها.

[4] في الأدبيات الإسلامية تقدم الحركات الإسلامية نفسها على أنها حاضنة لجماعة المسلمين وأن الإلتزام بنهجها واجب لأن« الجماعة رحمة والفرقة عذاب » وفيما تأصل الجماعات الإسلامية وضعيتها التنظيمية على هذا النحو فإنها غالباً ما تََسْقُط في المشيخية التي تختزل إرادتها وتسقِطُ الفرد بما هو قيمة إبداعية حرة من حساباتها ، وهي وضعية تـُهيء دائماً لحدوث استقالات جماعية منهكة لإمكانيات الحركة عند كل أزمة داخلية، بما يشير إلى أن عقلية المشيخة لم تكن في يوم حصناً تنظيمياً يحول دون إنفراط عقد الجماعة ولا ضامناً لتنميتها وأن تطور الحركة الإسلامية فكراً ونهجاً، قيماً و روحاً، قيادة وجمهوراً لاتتحقق إلا بالإحتكام إلى قوانين ناظمة ومؤسسة حاضنة.


حوار مع العلامة آية الله العظمى السيد محمد حسين فضل الله [*]ج 1

التعليق غير مسموح للضيوف, الرجاء التسجيل

التعليقات مملوكة لأصحابها. نحن غير مسؤلون عن محتواها.


النصوص الممهورة بتوقيع النهضة أنفو فقط هي التي تعبر عن رأي الموقع الرسمي وباقي النصوص تعبر عن رأي أصحابها .
جميع الحقوق محفوظة للنهضة أنفو © 2007. مزيد من المعلومات تجدونها في قوانين عامة.
بريد التراسلي لقسم التحرير nahdha[dot]tunisie[at]googlemail[dot]com®©  بريد التراسلي لإدارة النهضة انفو contact[at]nahdha[dot]info
جميع محتويات الموقع متوفرة تحت خاصيةRSS/RDF Nahdha@Info.
  إخراج الصفحة في 1.267 لحظــة, بــ 36 إستعلام من قاعدة البيانات
*الساعة حاليا  (22:27+ 6) بتوقيت تونس * || * 3 زائر/زوار علي الخط * 
Powered for nahdha.org
sponsor & powwered for »:: pragmaMx - the fast CMS ::«  Bot-Trap Logo  Cback.de   Suchmaschinenoptimierung mit Ranking-Hits   ننصح بإستعمال المتصفح الثعلب الناري لتدعيم تدابير السلامة و الأمان عند التصفح firefox لتصفح أفضل  ندعم و ننصح بإستعمال البرنامج المكتبي المفتوح المصدر openoffice 
index