|
(*)الصحبي
عتيق
1-
الهوية
واستحقاقاتها:
إنّ
الهوية هي الحقيقة المميزة المعبرة عن
الخصائص الذاتية لكل مجموعة بشرية،
وتظهر
بصورة جلية في الأنموذج الحضاري ومن
خلال الثقافة العامة وأنماط العلاقات
السائدة بينها؛ وهي شعور بالخصوصيّة
يتجسّد في تعابير ثقافيّة واجتماعيّة
وفنيّة، وهي نتاج يتشكّل من طبيعة العلاقات
الاجتماعية وطبيعة التّكوين التّاريخي
المترسّب في الذّاكرة الجماعيّة.
فالهوية
إفراز لتصور فلسفي، وتنظيم لمناشط الفرد
والأسرة والعلاقات العامة وعلاقة المجموعة
بالجهاز الحاكم ولغة التخاطب وجملة القيم
التي تنظّمها.
ولقد
كانت تونس مهدا لتجارب حضارية كبرى
(بربرية؛
قرطاجية؛ رومانية)،
وهذه المراحل من التاريخ تستحق الاحترام
والاعتراف.
ثمّ
جاء الإسلام بثقافته الكونية، وتمكن من
استيعاب هذه الثقافات وهضم ما تحمله من
عناصر الحقّ والخير والجمال دون إلغاء
أو نفي لها.
وتمكّن
الإسلام من نفوس الشّعب، ومثّل النّاظم
الحقيقي للأفراد في كيان الأمّة الإسلاميّة،
بعد أن أشربت نفوسهم قيمه وتصوّراته
ومقاصده.
وظلّ
الإسلام يترسّخ حتّى استقرت تونس على
الهوية العربية الإسلامية، وأصبح الانتماء
العربي لتونس في نطاق الانتماء للأمّة
الإسلامية عنصرا ثابتا في هوية البلاد
لا يرتقي إليه الشكّ، ولا يقبل المراجعة،
بعد أن قام الإسلام ببلورة الشّخصيّة
العربيّة من جميع جوانبها، ولعب دورا
محوريّا في تشكيل الهويّة، وتحوّل عبر
الزّمان إلى نظام أنظمتها في المعرفة
والأخلاق والسّياسة.
ومثّلت
العروبة بعدا أساسيا من أبعاد الهويّة
وامتزجت بالإسلام إلى حدّ الانصهار
التّام، بعد أن ملأها بروح التّوحيد
الجامع، وألغى كلّ معايير التّفاضل على
أساس اللّون أو الجنس أو العرق، ونزع عنها
العصبيّة الضيّقة، مع الاعتراف بتعدّد
الشّعوب والألسنة والأقوام، في ظلّ وحدة
الأمّ الإسلاميّة وعالمية الإسلام (1).
يقول
الدّكتور محمّد عابد الجابري:"...شعوب
شمال إفريقيا لا ينفصل في وعيها الإسلام
عن العروبة ولا العروبة عن الإسلام"
(2). ولقد
مثلت هذه الهوية العربية الإسلامية الفضاء
الحضاري والمرجعية في رسم النّظم التربويّة
والثّقافيّة والاقتصاديّة والعلاقات
الدّوليّة، وفي تنظيم شبكة العلاقات
القانونية والاجتماعيّة، وضبط التّشريعات
المنظّمة للحياة، وإيجاد الحلول المناسبة
لمشكلات الواقع المتغيّر.
والهوية
كما نفهمها ليست تعبيرا عن موقف تمجيدي
نرجسي جامد، إنّما هي مفهوم متطوّر ينسجم
مع الواقع الحضاري، ويتأثّر بمعطيات
المعرفة والفكر المعاصر، ومحصلة التّغيّرات
الحضارية، والتّجارب المترسّبة عبر
التّاريخ.
فهذه
الهويّة بكل هذه المكوّنات عمادها الإسلام
والعروبة، هي عامل توحيد ومصدر إلهام
وتفتّح على العصر ومكتسبات الحداثة،
وقادرة على استيعاب أفضل ما أنتجته
البشريّة.
ولئن
حاول الاستعمار طمس هوية البلاد وتفكيكها،
وتطوّرت أساليب نفوذه من خلال العلاقات
الاقتصادية والثّقافيّة، بعد خروج العسكر،
وتواصل هذا الأمر مع الدّولة القطريّة،
حيث كان الاستبداد قرينا للتغريب الذي
سعى جاهدا لفصل الشّعب عن هويته، وفصل
الدّين عن السّياسة، وتكريس العلمانية،
وتهميش الإسلام، وإبعاده عن مجالات
السياسة والتّربية والثّقافة والقانون،
رغم إعلان الدّستور أنّ الإسلام دين
الدّولة، فقد بقي الإسلام مقررا في وجدان
الشّعب وفي لاوعيه وثقافته وتقاليده،
قبل التّنصيص عليه في دستور البلاد.
فتونس
جزء من الأمّة الإسلاميّة، ومازالت
الهويّة حيّة في ضمير شعبها، رغم عهود
الانحطاط الحضاري وحقب الاستبداد والتغريب
الممنهج والمتواصل، وبقي الإسلام موصولا
في أعماق النّفوس، حيّا في ضمائر الشعب،
مرتبطا في ذهنه بالعدل والتّقدّم والمجد.
فمن
هذه الهوية نستلهم، وبها نتطوّر، وليست
مجرّد شعار، إنّما تستلزم من كلّ المتصدّرين
للفعل والتأثير الاعتراف بها كمكوّن
رئيسي للمنطقة، وكوجود سياسي، ونفوذ في
القوانين الأساسية للدّولة، وحضور على
مستوى التّربية والثّقافة، وكضرورة
للتنمية والرقيّ والإبداع، وخدمة للوحدة
العربيّة الإسلاميّة، وتمكين هذه الوحدة
من سبل التّحقّق الثّقافي والاقتصادي
والسياسي، ودفاعا عن قضايا الأمّة، وتعزيز
الانتماء إليها.
كما
إنّ الجميع مدعوّ لدعم اللّغة العربيّة
وتطويرها والارتقاء بها، حتّى تنهض
باقتدار بقضايا الفكر المعاصر، وقضايا
العلم والتّكنولوجيا، وتكون لغة الاستعمال
الإداري، ولغة التربية والتعليم، ولغة
البحث العلمي، ولغة الثقافة والإبداع،
وألاّ تعلو عليها لغة أخرى، فإنّه لا
تطوير للثّقافة بغير اللّغة الوطنيّة،
لذلك فإنّ التّعريب وإحلال اللّغة العربيّة
المكانة التي تليق بها مطلب حضاري وأداة
للنّهضة، من غير انغلاق ولا تعصّب ولا
انهزام.
فالانفتاح
على الحضارات الأخرى، والتّفاعل الإيجابي
مع اللّغات الأخرى ضرورة للتّطوّر
والتّجدّد.
2- الدين
والدولة في الفكر الإسلامي:
"وهو
الذي في السماء إله وفي الأرض إله"
(الزخرف84)
أ-
الإسلام
منهج حياة لقد
تناول الإسلام حياة الإنسان من كل جوانبها،
وجاء حاكما على جميع أفعاله من العبادة
إلى الأسرة إلى المجتمع إلى الدولة.
فكل
الحياة مقصودة بالتّوجيه والتّشريع في
نصوص الكتاب والسّنّة.
والإسلام
لا يقبل أن ينعزل عن الحياة والواقع ليكون
مجرّد شعائر أو عقائد في الضمائر لا علاقة
لها بحياة الإنسان والمجتمع والدّولة:
إنّه
تنظيم للحياة في مختلف جوانبها، بل هو
أشمل تعبير إلهي، وآخر صياغة لإرادة الله
في إرشاد الإنسان – الذي هو صناعة إلهيّة
– إلى الحقّ في الاعتقاد والتّصوّر،
والصّلاح في السّلوك والمعاملات والعلاقات
الاجتماعيّة والاقتصاديّة والسّياسيّة.
ومن
أهمّ تجليات السّياسة قيام الدّولة،
فالدّولة بصرف النّظر عن شكلها، الذي
أفرزه التّاريخ هي فريضة دينيّة:
"الذين
إن مكّناهم في الأرض أقاموا الصّلاة وآتوا
الزّكاة وأمروا بالمعروف ونهوا عن المنكر
ولله عاقبة الأمور"
(الحجّ
41)،
"إنّا
أنزلنا إليك الكتاب بالحقّ لتحكم بين
النّاس بما أراك الله"
(النّساء105).
يقول
ابن تيمية:
(يجب
أن يُعرَفَ أنّ ولاية أمر النّاس أمر من
أعظم واجبات الدّين، بل لا قيام للدّين
ولا للدّنيا إلاّ بها، فإنّ بني آدم لا
تتمّ مصلحتهم إلاّ بالاجتماع بحاجة بعضهم
إلى بعض، ولابدّ عند الاجتماع من رأس،
حتّى قال النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم
:' إذا
خرج ثلاثة في سفر فليؤمّروا أحدهم'،
تنبيها على سائر أنواع الاجتماع )
(3). ويقول
الإمام ابن عاشور:
(إنّ
إقامة الحكومة للأمّة الإسلاميّة أمر في
مرتبة الضّروري...
فكان
الإسلام من مبدإ انبعاثه مقدّرا له أن
يكون نظاما ...
فالإسلام
دين قائم على قاعدة الدّولة.)
(4). فلم
يعرف الإسلام من خلال نصوصه وتجربته
التّاريخيّة الواقعيّة دينا بلا دولة،
ولا أقام دولة بلا دين.
ويقول
ابن خلدون:
(إنّ
نصب الإمام واجب قد عُرف في الشّرع بإجماع
الصّحابة والتّابعين)(5).
ولئن
لم يعرف الفقه الإسلامي التّفرقة الواضحة
في القوانين الحديثة بين القانون العام
والخاصّ وقواعد التّنظيم الدّستوري أو
الإداري على أسس مضبوطة ومدوّنة فقد تناول
العلماء والفقهاء موضوع الإمامة في كتب
أصول الدّين وفي كتب الفقه، فكتب الباقلاني
والبغدادي والإمام الجويني والإمام
الغزالي وهم من علماء الكلام ...
وأفرد
لها فقهاء المذهب السّنّي كتبا خاصّة
باعتبارها من فروع الفقه (6)
كالماوردي
وابن الفرّاء وابن تيمية وابن قتيبة
والكواكبي ومحمّد رشيد رضا ...
إلى
جانب ما تناثر في ثنايا مسائل الفقه
المتعلّقة بالحكم والدّولة كالحسبة
والخراج والجهاد والوزارة والقضاء.
ب-
فكرة
فصل الدّين عن الدّولة لم
يعرف الإسلام في نصوصه ولا تاريخه فصلا
بين الدّين والسّياسة أو بين الزّمني
والروحي.
فالسّياسة
منشط يرتقي إلى أعلى درجات العبادة،
وبُعدٌ لتحقيق مقاصد الإسلام في العدل
والحريّة.
قال
تعالى "ياأيّها
الذين آمنوا كونوا قوّامين لله شهداء
بالقسط ولا يجرمنّكم شنآن قوم على أن لا
تعدلوا اعدِلوا هو أقرب للتّقوى"
(المائدة
8). وقال
عليه الصّلاة والسّلام :
(أفضل
الجهاد كلمة حقّ عند سلطان جائر )
رواه
التّرمذي وأحمد.
وإذا
تناولنا نصوص الوحي والتّجربة التّاريخيّة
فنلحظ بيسر مدى ارتباط الدّين بالدّولة
بصرف النّظر عن شكلها وتطوّرها وفقا
للظّروف المتغيّرة، فالفصل بين الدّين
والدّولة يناقض رسالة الإسلام ومقاصد
الشّريعة، فلا يمكن أن يكون الدّين شأنا
خاصا في الضّمير الدّاخلي، إنّما هو نظام
عام ومنهج للحياة يحكم المجتمع، والدّولةُ
إحدى وسائله، وبالتالي فإن ّفكرة الفصل
بين الإسلام والدّولة منطق غير مستقيم،
إذ إنّه يخوّل الإسلام للمقاومة وتحرير
البلدان ولا يخوّله لبناء الدّولة ورسم
السّياسة العامّة.
فهذه
الفكرة إشكاليّة مستوردة وغريبة عن روح
الإسلام ومقاصده وتاريخه، ولا تدرك تخالف
المفاهيم بين المسيحيّة والإسلام في ما
يتعلق بجوهر الدّين وأبعاده ووظيفته
الاجتماعيّة، ولا تعي الفوارق الجوهريّة
بينهما، واختلاف العوامل الزّمنيّة التي
رافقت تشكّل وتطوّر التّاريخ السّياسي
لكل منهما.
فحتّى
داخل الفضاء الغربي فهي تختلف من بلد إلى
آخر كفرنسا وبريطانيا وأمريكا مثلا،
والنّموذج الفرنسي كان أكثرها تطرّفا
وعنفا ومصادمة للدّين، لاعتبارات تاريخيّة.
يقول
الدّكتور رفيق عبد السّلام :
(وجماع
القول إنّ القراءة المتأنّية للحالة
العلمانيّة بما في ذلك في أوروبا الغربيّة،
التي تعدّ أكثر مواطن العالم علمنة تبيّن
أنّ دول أوروبا الغربيّة -
إذا
استثنينا الحالة الفرنسيّة – تراوح أمرها
بين ملازمة الصمت إزاء المرجعيّة الدّينية
للدول وبين تنصيص واضح وصريح على الدّين
الرّسمي، وهذا يعني أنّ فرنسا تظلّ حالة
فريدة من نوعها واستثنائيّة حتّى بالمقاييس
الغربيّة عامّة والأوروبية خاصّة )
(7)،
فهذه الفكرة (فصل
الدين عن الدولة)
نشأت
من خارج الفضاء الإسلامي وكلّ من رام عزل
الإسلام ومقاصده عن الواقع فقد مسّ من
بنية الفكر الإسلامي.
3- مدنيّة
الدولة في الفكر السياسي الإسلامي:
أ-
التشريع
الإسلامي والدولة لقد
عني الأصوليّون بطرق الاستنباط من خلال
ضبط القواعد التي يستعان بها على فهم
الأحكام الشرعيّة واستخراجها من مصادرها
فكانت للتشريع الإسلامي أنواع ثلاثة :
- نوع
اشتمل على ثوابت الدين وقطعيات الوحي ولا
خلاف في معانيها ودلالتها على المراد
منها. -
نوع
اشتمل على نصوص تحتمل التأويل في دلالتها
بصرف النظر عن قوة ورودها.
- نوع
متروك للاجتهاد ويتطور بحسب المصالح
ومراعاة الأوضاع والعصور، فإدارة الدولة
وشكلها وتفاصيل أنشطتها المختلفة موكولة
للاجتهاد البشري.
ففي
هذا المجال يكون للواقع والخبرات البشرية
والعقل ومقاصد الشريعة دور كبير في تمثل
الإسلام وتنزيله على شروط المكان والزمان
وحالات الإنسان، اعتبارا للمصالح والواقع.
يقول
ابن عقيل :(
السياسة
ما كان فعلا يكون الناس فيه أقرب إلى
الصلاح وأبعد عن الفساد، وإن لم يضعه
الرسول ولا نزل به وحي )
(8). ويقول
ابن القيّم :
(الشريعة
مبناها وأساسها على الحكم ومصالح العباد
في المعاش والمعاد وهي عدل كلها ورحمة
كلها ومصالح كلها وحكمة كلها، فكل مسألة
خرجت عن العدل إلى الجور، وعن الرحمة إلى
ضدها، وعن المصلحة إلى المفسدة، وعن
الحكمة إلى العبث، فليست من الشريعة وإن
أدخلت فيها بالتأويل )
(9). ومن
كمال الدين وخاتميّته أن الله تعالي فوّض
للعقل البشري الاجتهاد في شؤون حياته،
ولم يجعل الوحي ملغيا للعقل أو بديلا عنه.
يقول
الفيلسوف محمد إقبال :(
إن
النبوة في الإسلام لتبلغ كمالها الأخير
في إدراك الحاجة إلى إلغاء النبوة نفسها،
وهو أمر ينطوي على إدراكها العميق لاستحالة
بقاء الوجود معتمدا إلى الأبد على مقود
يقاد منه، وإن الإنسان لكي يحصل كمال
معرفته لنفسه ينبغ أن يترك ليعتمد في
النهاية على وسائله هو .)
(10). لذلك
لم يضع الوحي نصوصا تضبط أشكالا معينة
للحكم، ولا لكيفية مشاركة الأمّة، ولا
طرقا للحكم محدّدة، لذلك تبقى كل الصيغ
التاريخية التي طبقّت اجتهادا بشريّا
غير ملزم، ويظل هذا المجال مفتوحا للتطور
والإبداع الإنساني، وما يتيحه المحيط
الحضاري والتقدم العلمي، بما يحقق مقاصد
الإسلام، ويعبّر عن توجهاته الأساسية.
يقول
ابن القيّم :(وإذا
ظهرت أمارات الحقّ، وقامت أدلة العدل،
وأسفر وجهه بأيّ طريق، كان فثمّ شرع الله
ودينه ...فأيّ
طريق استخرج بها العدل والقسط فهي من
الدين ليست مخالفة له)
(11). ب-
الأساس
التعاقدي للدولة في الإسلام إن
نظام الحكم في المنوال السنّي للإسلام
لا يستمدّ مشروعيّته من قوة غيبية، ولا
من وصاية ومعرفة عالم الغيب، ولا يزعم
أحد أنّه ناطق باسم السماء أو يملك حجّة
دينية تعطيه وحده الحقّ في تولى السلطة
السياسية، وإنما يعود الأمر في ذلك إلى
الأمّة عبر الشورى العامة.
فالدولة
في الإسلام دولة دستورية باعتبارها تقوم
على دستور وعلى سلطة الأمّة أو الشعب،
والحاكم يستمدّ سلطته من الشعب.
يقول
الماوردي :(إن
الإمامة عقد مراضاة واختيار لا يدخله
إكراه ولا إجبار)
(12). فالدولة
في الإسلام تقوم على أساس الاختيار الحرّ،
والحاكم فيها لا يملك عصمة ولا قداسة،
والسلطة وكالة عن الأمّة، تؤسّس فيها
الشرعية على إرادة الشعب، وأساسها التعاقد
والتوافق بقصد تلبية حاجات الأمّة ومطالبها
وإدارة شؤونها لتحقيق مقاصد الإسلام في
العدل والحرية والأمانة والاستقرار
والمناعة.
جاء
في بيان الذكرى الرابعة والعشرين للإعلان
عن حركة النهضة (6/6/2005)
:"إن
مصدر المشروعية السياسية هو الشعب الذي
له الحق وحده في تولية الحاكمين ومحاسبتهم
وعزلهم واستبدالهم، من خلال الانتخاب
الحر النزيه، ولا يمكن لأيّ سلطة وتحت
أيّ عنوان أن تلغي أصوات الناخبين، وتحلّ
محلّها شرعية أخرى".
ويقول
الدكتور حسن الترابي :"...فأن
يباشر المجتمع حقه مصدرا أعلى في واقع
السلطان والحكم بهدى الشريعة واجتهاداته
فيها، وعلومه في ظلّها، مبدأ راسخ في دين
الإسلام ."
(13) ويقول
الإمام محمد الطاهر بن عاشور :"وحقيقة
الولايات كلّها عامها وخاصّها أنها من
جنس الوكالة عن المسلمين...
فطريقة
انتخاب الناس نوّابا عنهم للدفاع عن
مصالحهم، وإبلاغ طلباتهم...
أفضل
الطرق وأضمنها للتعبير عن إرادة الأمّة...
ولا
يحول دون أحد ودون الولاية حائل من طبقة
أو نسب"
(14). فلا
يكون حاكم الأمّة إلاّ من اختاره جمهور
الأمّة، ولا تعدّ شرعيته صحيحة إلاّ على
أساس الاختيار الحرّ، بعيدا عن الإكراه
أوالإجبار أو الاستيلاء.
لذلك
تعتبر الدولة من المنظور السنّي مدنيّة.
يقول
الإمام محمد عبده :"إن
الإسلام لم يعرف تلك السلطة الدينية..
التي
عرفتها أوروبا..
فليس
في الإسلام سلطة دينية سوى سلطة الموعظة
الحسنة، وهي سلطة خوّلها الله لكل المسلمين
.. والأمّة
هي التي تولّي الحاكم، وهي صاحبة الحق في
السيطرة عليه، وهي تخلعه متى رأت ذلك من
مصلحتها، فهو حاكم مدنيّ من جميع الوجوه..
فليس
في الإسلام سلطة دينية بوجه من الوجوه"
(15). ج-
مرجعية
التشريع لئن
كانت الدولة في الفكر السياسي السنّى
مدنية، سندها الأمّة التي تستمدّ من
إرادتها الحرّة سلطانها وشرعيّتها، ولئن
كان نمط الحكم مجال نظر واجتهاد من حيث
إدارة الدولة وشكلها وسياستها، فإن ثوابت
الإسلام ومقاصده وأحكامه تظلّ المرجع
الأعلى، والمصدر الرئيسيّ للتشريع، إلى
جانب الاجتهاد فيما وراء ذلك، تأويلا
وتجديدا وتنزيلا، ولا يفرض فيه أيّ طرف
رؤيته على المسلمين.
وإن
قيام الدولة على مرجعية الإسلام لا يعني
أنها تعرف نظاما من الكهنوت أو تملك سدنة
من "رجال
الدين"
... فهذا
مصطلح غريب عن روح الإسلام.
وهذه
المرجعية للدولة في الإسلام لا تتناقض
مع ديمقراطية الدولة، ولا تعني أن تتحول
الدولة إلى دولة دينية، وإنما هي تعبير
واحترام لهويّة الشعب، التي لا تقبل
المراجعة، وإن كانت السلطة في الإسلام
للوحيّ مع عدم انفكاك السياسة عن مقاصد
التشريع، ومع سعة مساحات الاجتهاد فإن
هذه القداسة ليست وقفا على الإسلام، فكل
دولة لها ثوابت ومرجعية لا تتجاوزها،
وهناك قداسات أخرى أكثر إعلاء وأشدّ تحكما
في العقول، وتغلغلا في النفوس، وتستند
إلى مرجعيات عليا كقيم الجمهورية والقانون
الدولي وحقوق الإنسان والمصلحة الوطنية
وقيم الحداثة ...
إن
هذه المرجعية العليا لا تمنع انفتاح
المشروع الإسلامي على منجزات الحضارة
الإنسانية إلى جانب ما يتيحه الواقع
والعقل والمصالح من اجتهاد في تنزيل أحكام
الوحيّ، نشدانا للحقيقة، وطلبا للإضافات
النافعة للبشرية.
"فالحكمة
ضالة المؤمن يأخذها أينما وجدها".
ثمّ
إن هذه المرجعية ليست مفروضة على الأمّة
بل هي التي اختارتها إيمانا واقتناعا.
يقول
الشيخ الترابي:
"الشريعة
هي المصدر الجامع الأعلى لهدى الحياة،
ولكنها بقدر الله لا تنفذ في الدنيا إلاّ
طوعا بإيمان النّاس ومجتمعهم، الذي يصدقها
بسياسة أمره العام.
فالمجتمع
لذلك في ظاهر هذه الأرض وعاجل هذه الدنيا
هو المصدر الأعلى للحكم والسلطان من خلال
إيمانه وإرادته وقوته السلطانية النافذة
في الواقع المشهود"
(16). د-
التجربة
التاريخية للدولة في الإسلام لقد
تحقق الجانب النظري في الفكر السياسي
لدولة الإسلام على أرض الواقع في مراحل
محدودة من التاريخ، فكانت التأسيس لنموذج
للشورى والعدل، يستلهم منه المسلمون
المفاهيم والمناهج والرّوح والمقاصد،
لأن "الأشكال
المؤسساتية والآليات الدستورية والاجتماعية
والاجتهادات التشريعية والسياسية هي
نتاج بشريّ محكوم بالسياق التاريخي
والظروف الحضارية والمناخ الثقافي لعصرها"
(والتعبير
لطارق البشري).
ولئن
مثلت هذه المراحل نماذج راقية تجلت فيها
القيم الإسلامية، وتلاحمت فيها النصوص
بالواقع، فقد حصل الارتداد سريعا، ولم
تتطوّر الأنماط والأشكال، بل تضاءلت
مساحات الشورى والعدالة لتنتهي إلى ملك
عضوض، لا يعتمد على إرادة الشعب فحسب،
وإنما يقف موقفا متباعدا عن روح الإسلام
وفلسفته ومقاصده في الحكم، ويفتح المجال
للوراثة والشورى الشكلية والإكراه في
البيعة والتشريع للاستيلاء والغلبة
والاستبداد والتنظير لـ(إمارة
الاستيلاء التي تعقد عن اضطرار)،
مقابل (إمارة
الاستكفاء بعقد عن اختيار)،
كما ذكر الماوردي مماّ أثار الشكوك
والالتباسات في القيّم الإسلامية المتعلقة
بالنظام السياسي والحريات العامة والشورى.
ولقد
فرض الظلم على الأمّة، في أغلب مراحل
الحكم، على الرغم من مخالفته لنصوص الكتاب
والسنة ومقاصد الشريعة، واستمرّ استحواذ
الحكام المستبدّين على السلطة والثروة
بحكم فردي مشرب بالروح القبلية والتوريث.
يقول
الدكتور أحمد الريسوني:
"إن
الفراغ التنظيمي والفقهي في مسألة إدارة
الشورى وإدارة الاختلافات السياسية،
شكّل على الدوام سببا لتحكم منطق القوة
والغلبة بكل ما يعنيه ذلك من فتن وصراعات
وتصفيات دموية"(17).
ورغم
هذا الواقع فإنّ الإسلام لا يحمل أصولا
مؤسسة للاستبداد في مفاهيمه ولا تشريعاته.
ولقد
كانت سلطة وضع القانون بيد العلماء إلى
جانب استقلال القضاء واستقلال التعليم
والثقافة وانتشار عدد من المؤسسات الأهلية
المستقلة تأسيسا وتمويلا كمؤسسات الأوقاف
والمساجد والتعليم والنشر.
هـ-
الديمقراطية
والمواطنة لئن
تبلورت الديمقراطية من خارج الثقافة
الإسلامية فإنّها لم تعد تحمل مدلولا
يحيل على سياق حضاري معاد للدين أو مرتبط
بالعلمانية ولا انفكاك لها عنه، إنّما
هي (الديمقراطية)
"قريبة
من جوهر الإسلام"،
بتعبير الشيخ القرضاوي، من حيث اختيار
الحاكم والانتخاب والتمثيل النيابي
والتداول على السلطة واستقلال القضاء
وحرية التعبير والتنظّم ...
فإن
الديمقراطية "هي
أحسن صورة ابتكرتها البشرية لتطبيق الشورى
الإسلامية"،
وهذا الرأيّ هو السائد في دائرة الفكر
الإسلامي المعاصر(الشيخ
القرضاوي، الشيخ راشد الغنوشي، الشيخ
الترابي، طارق البشري، محمد سليم العوّا،
عبد الله الحامد ...)،
إلى جانب عدد من قدامي المفكرين من أمثال
الكواكبي وخير الدين التونسي والشيخ بن
عاشور القائل:
"فلا
ريب أن الحكومة الإسلامية حكومة ديمقراطية
على حسب القواعد الدينية الإسلامية
المنتزعة من أصول القرآن ومن بيان السنة
النبوّية ومماّ استنبطه فقهاء الإسلام
في مختلف العصور "(18).
ويقول
الشيخ راشد الغنوشي :"ليس
في الإسلام عند التأمل في تعاليمه ومقاصده
وتجربة تطبيقه النموذجية في عصر النبوّة
والراشدين ما يمنع الترتيبات التي جاء
بها النظام الديمقراطي علاجا لآفة
الدكتاتورية التي اكتوى بنارها معظم
تاريخ الإسلام وبقية شعوب الأرض"
(19). وورد
في بيان الذكرى الرابعة والعشرين للإعلان
عن حركة النهضة (6/6/2005)
:"لابدّ
من التأكيد أن الديمقراطية بحكم أنها
آليات إجرائية لإدارة الاختلاف سلميّا
بما يضمن حقّ الأقليّة وتداول النخبة على
الحكم عبر الانتخاب الحرّ في ظل مناخ من
حرية التعبير واستقلال القضاء وشفافية
التسيير الإداري والاقتصاد، فهي بالتالي
لا ترتبط بإيديولوجيا دون أخرى".
و"إلي
جانب ما تتيحه الديمقراطية من نظم وآليات
فإن الإسلام يثريها بقيم تعطيها السموّ
الأخلاقي والعمق الإنساني الذي يحميها
من سلبيات الرأسمالية المتوحشة والتلاعب
بالضمائر والذمم والأصوات".
يقول
الشيخ راشد الغنوشي :"قيام
النظام السياسي على أساس مبدإ المواطنة
بمعنى اشتراك أهل البلاد جميعا في امتلاك
الوطن وحقوق متساوية فيه وعلى تعاقد صريح
بينهم-
باعتبارهم
شعبا – على إقامة نظام سياسي (دولة)
هم
أصحاب السلطة عليها."(20).
ويطرح
الشيخ القرضاوي في كتابه "الدين
والسياسة"
المواطنة
"كمفهوم
بديلا عن مفهوم "أهل
الذمّة".
ويرى
الشيخ مهدي شمس الدين فكرة "ولاية
الأمّة عن نفسها"
بديلا
عن نظرية "ولاية
الفقيه".
وفي
الأخير نؤكّد حسب مقاربتنا لمسألة الدّين
والدّولة:
1-إنّ
الدّولة الإسلاميّة مدنيّة وديمقراطيّة،
والأحزاب فيها مدنيّة كذلك، والممارسة
السياسيّة مستقّلة عن أيّ سلطة باسم
الدّين.
2-إنّ
المواطنة قيمة أساسية وعلى أساسها يقوم
النّظام السياسي.
3-إنّ
الديمقراطية هي أسلوب الحسم في الخلافات
في ظلّ مناخ من حرية التّعبير واستقلال
القضاء وحياد الإدارة، وهي أحسن أسلوب
لتطبيق الشورى الإسلاميّة.
4-إنّ
الشعب هو مصدر المشروعية العليا للسلطة،
وهو يستلهم باختياره من هويّته وثقافته
ومن مكاسب الحداثة ومنجزات البشريّة
ليمارس سيادته الوطنية.
وختاما
فإنّ المسلمين مكلّفون بفهم الإسلام
وتنزيل أحكامه ومقاصده على الواقع، في
ضوء ما يتحمّله، دون تعسّف عليه، ودون
إكراه للنّاس، وعيا بالمقاصد والموازنات
والمآلات وفقه التّنزيل. كاتب
وباحث تونسي (*)
هوامش 1)
انظر
د. النجار
عبد المجيد، صراع الهوية في تونس نشر شركة
ديجيتال للنّشر والطباعة 2
) الجابري
محمد عابد، مسألة الهوية العروبة والإسلام
...والغرب،
مركز دراسات الوحدة العربية ط.2
3) ابن
تيمية ، السياسة الشرعية في إصلاح الراعي
والرعيّة 4)
ابن
عاشور محمد الطاهر، أصول النظام الاجتماعي
في الإسلام -
الدار
العربية للكتاب-
1979- ص206-21
5) ابن
خلدون – المقدمة ، اعتناء أحمد الزعبي،
دار الأرقم بيروت لبنان ص223
الخوارج
والأصمّ من المعتزلة لا يرون وجوب نصب
الإمام، ومن المعاصرين على عبد الرازق
6)الإمامة
عند الشيعة ركن من أركان العقيدة والإمام
معيّن بالوصيّة وهو معصوم 7)
انظر
كتاب د.
رفيق
عبد السلام –في العلمانية والدّين
والديمقراطيّة-
الدار
العربية للعلوم، ناشرون ط1
بيروت
2007 ص
35 – 40. وانظر
كتاب د.
فتحي
القاسمي :
العلمانية
وانتشارها غربا وشرقا-
الدار
التّونسيّة للنّشر 94
8)ابن
القيم ،إعلام الموقعين عن رب العالمين
دار الجيل بيروت 73
ج4
ص283
9)ابن
القيم ،إعلام الموقّعين دار الجيل بيروت
73 ج3
ص3
10) إقبال
محمد، تجديد الفكر الديني 11)
ابن
القيم الطرق الحكمية طبعة القاهرة ص 14
12)الماوردي
، الأحكام السلطانية ،مطبعة الوطن مصر
ص5 13)الترابي
حسن ،السياسة والحكم ص52
14) ابن
عاشور، أصول النظام الاجتماعي ص 210-212
15) عبده
محمد، الأعمال الكاملة ،تحقيق وتقديم
د.محمد
عمارة ط 2
-1980 المؤسسة
العربية للدراسات والنشر بيروت ،ج1
ص
107 16)
الترابي
حسن، السياسة والحكم ص 52
-السنهوري
عبد الرزاق ،فقه الخلافة وتطورها 17)
الريسوني
أحمد ،الشورى في معركة البناء 18)
ابن
عاشور، أصول ص213
19) الغنوشي
راشد، مقال ، الإسلام والإسلاميون
والديمقراطية 20)
الغنوشي
راشد، الإسلام والإسلاميون والديمقر المصدر
موقع أقلام أولاين السنة السادسة
العدد 22/
بتاريخ
جوان -
جويلية
2008
|