|
حاوره فوزي الصدقاوي
عديدة هي الحركات الإسلامية التي
تحقق بعض الانتصارات السياسية بفضل زخمها الجماهيري وهي إذ تتوفر على عناصر القوة
التي تخول لها أن تعبئ جماهير عريضة ضد
أعدائها المحليين والإستكبار العالمي فإنها تنتكس بعد انتصاراتها السياسية تلك
فتعجز على مواجهة معوقات اجتماعية وسياسية ذات عمق تاريخي من قبيل المعوّقات
المذهبية والطائفية والعشائرية والإقليمية، الشيء الذي يربك مسارها ويهمّش
تطلعاتها ويُفتر طاقاتها ويشوّه بدائلها وأمثلة ذلك أفغانستان والسودان ، ألا ترون
في هذا السياق أن تعمل الحركات الإسلامية بما لها من زخم جماهيري وقدرة تعبوية وما
تتمتع به من قيم إنسانية على وضع برنامج لمعالجة هذه المعوّقات التي إستغلّ
الإستعمار القديم تناقضاتها ويستفيد الإستكبار العالمي اليوم منها لإجهاض التجربة
الإسلامية .
لابد لأي حركة إسلامية أن تبدأ بدراسة الأرض التي تتحرك فيها والظروف الموضوعية والاجتماعية والسياسية التي تحيط بها، لتدرس كيف يمكن أن تتجنب كل الضغوطات التي يمكن أن تتحرك فيها هذه الألغام المزروعة في الأرض وذلك بأن نعترف واقعياً بوجود خصوصيات إنسانية في المجتمع فيما هي الشعوب وفيما هي القبائل وفيما هي القوميات، لنتعرّف العناصر الحيوية الموجودة داخلها، فنعرف كيف يمكن احتواء هذه العناصر بطريقة إيجابية لإبقائها في ساحة العمل على أساس إعطائها شيئاً من الإحترام ممثلاً هناك في الواقع الإسلامي. فهناك قوميات تختلف ثقافتها ولغتها عن تاريخ العرب وهناك الأكراد وهناك الفرس وهناك الأتراك وهناك البربر. والواقع أن هناك إتجاهاً لدى الإسلاميين في إبعاد الخصوصية عن الواقع على أساس أن الإسلام يلغي الخصوصية ولا يعترف لهذه القومية أو تلك بلغتها وثقافتها لكننا عندما ندرس كلام الله نقرأ ( يأيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوباً وقبائل لـتعارفوا )[الحجرات-13 ]. فالله سبحانه وتعالى لم يلغ خصوصية أي شعب في عناصره الذاتية سواء كانت ثقافية أو تاريخية ولم يلغ خصوصية أية قبيلة ومن الطبيعي أن التعددية في الشعوب والقبائل تنطلق من تعدد الخصوصيات وتعدد العناصر، فالإسلام لايريد للإنسان أن يتنكر لقوميته أو يتنكر لقبيلته ولكنه لا يريد للقبيلة أن تكون سجناً يسجن فيها الإنسان نفسه ليعزلها عن غيره وهكذا لايريد الإسلام للقومية أن تكون دائرة مغلقة يعيش الإنسان في داخلها بشكل ذاتي بعيداً عن الواقع من حوله ، إن أفضل تعريف للعصبية السلبية في الإسلام هو ما جاء على لسان الإمام زين العابدين بن الحسين عليه السلام الذي يقول (إن العصبية التي يأثم عليها صاحبها أن يرى الرجل شرار قومه خيراً من خيار قوم آخرين) فليس من العصبية أن يُحِبَ الرجل قومَه ولكن أن يُعين قومه عليها. فالإسلام عندما جاء لم يعمل على أساس أن يلغي للناس لغاتهم أو يلغي للناس ثقافاتهم التي قد لا تتنكر للخطوط الإسلامية للثقافة ، ولكنه يريد أن لا تكون القبيلة و القومية والإقليمية أساساً للتقويم الإنساني ، لأن الإنسان يتقوّم بعناصره الإنسانية المنفتحة على الله من حيث هو إنسان يلتقي بالناس في إنسانيته ومن حيث هو عبد لله ينفتح على الله من خلال إيمانه ومن خلال تقواه . فالقيمة هي هذه وليست بشراً أو لغة أومالاً وجاهاً وما إلى ذلك، كما جاء في بعض أدبيات الإمام زين العابدين عليه السلام ( واُعصمني من أن أظن بذي عدم خساسة أو أظن بصاحب ثروة فضلاً ، فإن الشريف من شرفته طاعته والعزيز من أعزته عبادته ) لذلك فلا بد من الحركة الإسلامية من أن تدرس الواقع القومي في إختلاف القوميات والواقع الشعبي في إختلاف الشعوب والواقع القبلي في إختلاف القبائل لتدرس مطالب كل هذه الجماعات وتتفاهم معها على ما يمكن للإسلام أن يُبقيَه في مجتمعه ودولته من حقوق لهؤلاء بالمستوى الذي يشعرون فيه بالإحترام لإنسانيتهم وخصوصياتهم وما ينبغي لهم أن يتمردوا عليه من خصوصيات العصبية التي تحبسهم في دائرة ضيقة وتبتعد بهم عن الدائرة الواسعة . وهكذا عندما نلتقي بالطائفية في الوضع الديني أو المذهبية فإن علينا أن نتعرّف كيف نعالج المسألة الإسلامية بعيداً عن الخطوط الحساسة لندفع بالمواضع الحساسة إلى ساحة الحوار في إطار مواقع الحوار بعيداً عن تكفير هذا المسلم أوتكفير ذاك المسلم وبعيداً عن التعنت في مواجهة هذا الكتابي أو ذاك الكتابي . إننا ندرك صعوبة هذه المسألة وقساوتها بفعل تاريخ التخلف الذي تلقفه واقع الإستكبار العالمي الذي عمل على الاستفادة من هذه التعقيدات الموجودة فيما بين المسلمين ليدفع بها إلى ساحة الصراع الداخلي وإثارة الضعف في الواقع الإسلامي . إن المسألة هي أن الحركات الإسلامية التي تندفع لتعبأ ولتحتوي ولتدفع الواقع الشعبي ثم تواجه هذه الصعوبات ثم تنكفأ وتتراجع ، مشكلتها أنها لم تخطط لذلك ، فعليها أن تخطط لذلك قبل اندفاع الحركة وتخطط لذلك حتى ونحن نعيش داخل التجربة الصعبة ، حتى لا تسقطنا طفيليات الواقع ولا تتأثر بسلبيات التجربة .
لعل تجربة الحركات الإسلامية خلال عقود هذا القرن ومع تطور الساحة السياسية الراهنة دفعت الحركات الإسلامية عامة إلى التزحزح عن فضاء الفكر الإخواني دون أن تبلور تصورات واضحة وثابتة عن طبيعة الصراع والمهام المطروحة عليها في هذه المرحلة ، هل يعني ذلك إيذان بضرورة إنفتاح مدرسة آل البيت على مثل هذه الحركات بمختلف مشاربها من أجل تشريكها في بلورة مشروعها الحضاري الإسلامي .
من الطبيعي أن التجربة الإخوانية كانت رائدة في إطلاق الإسلام من الأجواء الضيقة الذي اُقحم فيها إلى الأجواء الواسعة التي أريد له أن يتحرك فيها لينطلق الإسلام كقاعدة للفكر والعاطفة والحياة ولكن مشكلة هذه التجربة إنها لم تكن تجربة شاملة وواسعة ولم تنفتح على التجربة الإسلامية السائرة في خط آل البيت عليهم السلام الذين يملكون الكثير من الغنى في الفكر والمنهج والحركة بما يمكن له أن يحلّ الكثير من المشاكل الإسلامية التي يواجهها الفكر الإسلامي والواقع الإسلامي . ومن هنا فإننا نتصوّر أن على الحركات الإسلامية التي تحركت في خط الصحابة أن تجرّب كيف تُزَاوج هذا الخط مع خط آل البيت عليهم السلام لأن ذلك يمكن أن يُوحّد الحركة الإسلامية ويُغني تجربتها لاسيما أن هناك من الحركات الإسلامية التي نشأت في أجواء خط آل البيت كحركة الدعوة الإسلامية في العراق وحركة فدائيان إسلام في إيران وحركة الإمام الخميني ، هذه الحركات التي انفتحت على الحركات الإسلامية التي كانت على خط الصحابة ولم تتنكر لها لأنها كانت تفكر أنه من الضروري أن تنفتح على الإسلام كله وعلى الساحة كلها . نحن نفهم أن هناك كثيراً من التعقيدات الموجودة في أجواء الثقافة المنتسبة إلى آل البيت تماماً كماهي السلبيات الموجودة في ثقافة الحركات المنتسبة إلى خط الصحابة ولكن الحركيين الواعين يستطيعون القفز على جميع هذه السلبيات ليعيشوا إيجابيات الخطوط الإسلامية حتى نستطيع أن نستفيد من إيجابيات هذا الخط وإيجابيات ذاك الخط.. إن هناك فرقاً، ونقولها لكل الإسلاميين سُنةً وشيعةً ، بين أن تتعصب لمذهبك وبين أن تلتزم بمذهبك ، إن التعصب حالة إختناق ، يختنق فيها الإنسان بانفعالاته ومشاعره المعقدة وإن الإلتزام يمثل حالة إنفتاح يعيش الإنسان فيها المذهب في الجانب الفكري ليلتقي بالفكر الآخر في المذهب الآخر على أساس حوار فكر لفكر وعلى أساس التخطيط للتوحيد بين فكر وفكر والتنسيق بين فكر وفكر على الأقل . إننا ندعو إلى المذهبية الفكرية ونحارب المذهبية الطائفية لأن الطائفية حالة عشائرية تحوّل المسلمين إلى قبائل تأخذ عنواناً إسلامياً أما المذهبية الفكرية فهي حالة ثقافية وروحية تملىء وجدان الإنسان ليعمل على أساس الوحدة في التنوع أو التنوع في الوحدة .
في هذا السياق نسألكم إلى أي مرحلة وصلت محاولة الإئتلاف السني الشيعي ،وماهي برأيكم مقومات الحوار التي بإمكانها أن تحقق تلاقي ترفع الحواجز المذهبية ؟
المسلمون لو إنفتحوا على القواسم المشتركة التي تجمعهم أو على الكلمة السواء التي إستخدمها القرآن في علاقة المسلمين بأهل الكتاب ليكون لنا كلمة سواء مع أهل القرآن لإستطاعوا حل الكثير من المشاكل الفكرية والشعوبية ولكن المشكلة بين المسلمين أن كل فريق وضع نفسه في غرفة ضيقة ومغلقة الأبواب وأضاع المفتاح لأنهم لايريدون للآخرين أن يفتحوا باباً على باب أو نافذة على نافذة . إن مشكلتنا هي مشكلة التخلف الذي إستطاع أن يعقّد الذهنية الإسلامية ويجعلها تتحرك في الهوامش بدلاً من أن تنفتح على الأصول لذلك نحن نريد أن نقول للمسلمين أن هناك قواعد إسلامية مشتركة بيننا والإيمان بالله واليوم الآخر وكتاب الله الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه لا بزيادة ولا بنقصان والإيمان بالأركان الخمسة والانفتاح في اجتهاداتنا على أكثر من لقاء حتى أننا نقول إن المسلمين يلتقون في اجتهاداتهم الفقهية بنسبة 80٪ على الأقل لأنهم حتى ولواختلفوا فإن هناك رأياً شيعياً في حركة الإجتهاد الشيعي يلتقي برأيّ سنيّ في حركة الإجتهاد السني.فقد يستوي ما بين السنة من إختلاف وما بين الشيعة من اختلاف لأن الإجتهاد يفسح المجال للتنوع . لهذا نقول إن المطلوب أن نعيش الحوار القرآني على أساس الكلمة السواء وعلى أساس الجدال بالتي هي أحسن وعلى أساس القول بالتي هي أحسن وعلى أساس الدفع بالتي هي أحسن وعلى أساس أننا إذا تنازعنا في شيىء فإن علينا أن نردّدهُ إلى الله ورسوله وعلى أساس أن نلتقي فيما اتفقنا عليه وأن نحاور بعضنا بعضاً فيما اختلفنا فيه . هذا هو الخط المنهجي لنبحث قضايانا الإسلامية بدون حساسيات ونبحث تاريخنا الإسلامي بدون تعقيدات. أن نبحث هذا وذاك سواء في علم الكلام أو في علم الفقه أو في قضايا التاريخ بطريقة موضوعية كما لو كان تاريخاً لا علاقة لنا به وكما لو كانت عناصر ثقافية أو فقهية لاعلاقة لنا بها . كيف نبحث القانون الروماني ؟ علينا أن نبحث القانون الإسلامي في الشريعة الإسلامية كما لو لم يكن لنا علاقة به حتى نستطيع أن نفهمه بكل موضوعية وهكذا عندما نبحث في علم الكلام أو عندما نبحث في التاريخ في كل أحداثه. المشكلة هي الذهنية الملتهبة التي تثور أمام أية كلمة تثير حساسية أو أمام أي حوار يمكن أن يخلق تعقيداً . إن المشكلة في الحوار الإسلامي- الإسلامي أولاً في التخلف الذي لا يزال المسلمون يعيشون فيه والتعصب الذي لايزال يحكم الذهنية الإسلامية هنا وهناك ليختنق الإنسان المسلم هنا في مذهبه ويختنق الإنسان المسلم هناك في مذهبه . والشيء الأساس هو أن الحوار الإسلامي-الإسلامي ممنوع إستكبارياً ،إنهم يعملون من خلال كل هؤلاء الذين وظّفوهم في دائرة المخابرات المركزية الأمريكية ودائرة المخابرات الدولية لحراسة التمزق الإسلامي ولحراسة المذهبية الطائفية لأن المطلوب هو أن لا تكون هناك وحدة إسلامية كما أن المطلوب هو أن لاتكون هناك وحدة إسلامية كما أن المطلوب أن لا تكون هناك وحدة قومية أو حتى وحدة وطنية لأن قضية الوحدة في داخل الأمة وبين المسلمين تمثل خطاً ،على الإستكبار العالمي لذلك لابد أن تدخل حركة الوحدة الإسلامية في ساحتنا الإسلامية في دائرة الواقع السياسي في الصراع مع الإستكبار العالمي ، كما تدخل في ساحة الواقع الثقافي في صراعنا مع الجهل والتخلف .
لا يزال الفكر الإسلامي اليوم حبيس سلفيته وبحوثه التقليدية ومناهجه القديمة دون أن ينفتح على مناهج البحث العلمي الحديثة فيستثمرها في قضاياها الفلسفية والاجتماعية والنفسية والسياسية . ألا ترون ضرورة أن تقوم المعاهد الشرعية والحوزات العلمية بتطعيم برامجها لتدريس طلابها العلوم الإنسانية كعلم النفس وعلم الإجتماع والعلوم السياسية ..إلخ من أجل إكساب طلاب العلوم الشرعية قدرة علمية وتحليلية تمنح الدراسات الإسلامية عمقاً علمياً وتمكّن الفكر الإسلامي المستقبلي من نقلة نوعية وانفتاح على العالم وهمومه .[5]
نحن من دعاة الانفتاح على الله والعاملين في سبيله على واقع العصر كله حتى يعيش الإنسان عصره في فكر عصره.. وفي روح عصره.. وفي أساليب عصره.. وفي كل مواقع الإنسان المتنوعة في عصره.. لأن الداعية إلى الله إذا لم يكن معاصراً للحياة التي يتحرك فيها فكيف يمكن أن يدخلها ؟ وكيف يمكن أن يفهمها؟ وكيف يمكن أن يهندس الطريق إلى وعي الناس الذين يريد أن يدعوهم إلى الإسلام أو ينفتح بهم على ثقافة الإسلام ؟ لذلك فنحن دائماً نؤكد على أن تعيش الحوزات والجامعة الدينية العلوم الإنسانية في بعدها العَلْمَاني المعاصر وأن يأخذ طلاب الحوزات والجامعات الدينية الإسلامية بأسباب الوعي السياسي والإجتماعي لا بمجرد النظرية السياسية والاجتماعية لكن من خلال الواقع السياسي و الاجتماعي لأن الذين كتبوا نظريات علم السياسة وعلم الإجتماع كتبوا تجربتهم والذين عاشوها ونحن نريد أن نعيش تجربة جديدة تأخذ من عمق تجربة أولائك ونحاول أن تنتج تجربة جديدة لمستقبلها ولمستقبل الحركة الإسلامية. نحن نعيش مشكلة الذين يلتزمون الدعوة إلى الإسلام ولايعـيشون عصرهم ولا يفهمون إنسان العصر ولا يتحركون من أجل أن ينفتح على روح هذا العصر ونحن نقول: الذهنية لغة والروح لغة والأسلوب لغة فإذا لم تكن لك ذهنية العصر ولا أسلوبه ولا روحه فأنت تماماً كمن يتحدث مع الناس بلغة أخرى ونعرف ماذا تكون النتيجة عند ذلك . تجارب عديدة في مسيرة الحركات الإسلامية دفعت بها إلى الدخول في اللعبة الديمقراطية، هذه الديمقراطية التي جُـهّـزت على مقاس الحركات الإسلامية لتفجيرها وإجهاضها وأمثلة ذلك تونس والجزائر... فإذا كان العنف الذي لوّحت جهات عديدة على أنّه الحل الأنسب في معركة الحركة الإسلامية ضد الأنظمة المحلية خياراً مفخخاً ، فإن الديمقراطية التي دعيت الحركات الإسلامية للدخول في لعبتها ليس بالحل الأقل تفخيخاً وخطورة على مسيرة هذه الحركات . فأي خيار يظل للحركة الإسلامية أن تتحرك على أرضه حفاظاً على سلامة وجودها وإستمراراً على خط رسالتها بعيداً على خياري الموت هذين ؟[6]
إننا نتصور أنك عندما تتحرك في ساحة الصراع في مواجهة القوة المضادة ، فليس لك أن تحدد نوع سلاحك بشكل تام، لأن المعركة قد تفرض عليك نوع السلاح الذي تستعمله، فمعركة الثقافة لابد أن يكون سلاحها الفكر ومعركة السياسة لابد أن تكون أداتها السياسة أيضاً، أما كيف يمكن لنا أن نحرك الأسلحة السياسية في الحرب السياسية؟ فإن علينا أن ندرس الساحة، نحن كإسلاميين لا نعترف بالعمق الفكري للديمقراطية الذي يعني أن الديمقراطية أساس شرعية الإسلام عندما يأخذ به الناس وهو غير شرعي عندما لا يأخذ به الناس لكننا قد نستفيد من اللعبة الديمقراطية بشرط أن ندرس الظروف التي تتحرك فيه هذه اللعبة وبشرط أن ندرس الخلفيات التي تختفي وراءها ، ربما كانت الديمقراطية فخاً يُرَاد للإسلاميين أن يدخلوا فيها ليعرف الآخرون مدى قوتهم ليركزوا حربهم على إسقاط هذه القوة وإضعافها ، ربما يراد أن يستفيد الإسلاميون منها كما حدث ذلك في لبنان ولو من الناحية الإعلامية أو من ناحية إثبات الوجود السياسي وهكذا نحن لا نستطيع أن نلغيَ العنف دائماً، بل لا بد أن ندرس المسالة في واقعية العنف وفي طبيعة المرحلة التي تقطعها الحركة الإسلامية للوصول إلى أهدافها الكبيرة . إنني أؤمن بتنوع الوسائل، ولكن لكي تحرك أية وسيلة عليك أن تدرس ظروفها الموضوعية وأرضيتها وحركتك أنت ، أين أنت؟ وكيف أنت؟ وأين هي خطواتك في الساحة؟ لتحدد نوعية الساحة حتى لا يَحفر لك الآخرون أكثر من حفرة مغطاة بالرمال لتقع فيها من حيث لاتشعر. إن على الإسلاميين أن تكون لهم عيون في كل مكان، والعيون العيون ضرورية لكل حركة إسلامية ، لأن من يتحرك من دون عين تحدق في الواقع وتقول له ماذا هناك هو إنسان يتحرك في الظلام ومشكلة الحركيين الإسلاميين أنهم دخلوا الساحة وحملوا السلاح من دون أن تكون بيدهم سلاح الأمن فإنطلق سلاح الأمن من هناك يقضي على سلاح السيف هنا . الـقضية عندما تكون الحركة الإسلامية تحدق في كل العيون التي تواجهها عند ذاك يمكن للمعركة أن تكون متوازنة.
تؤاخذ حركة النهضة الإسلامية في تونس لتصالحها مع السلطة وهي من جهة أخرى تـُدان لإستعمالها عُنفاً لم يثبت صحة نسبته إليها ، كيف تقيمون هذه العلاقة للحركة بالسلطة من جهة وبالعنف من جهة ثانية ؟
أنا لا أتصور أنها دخلت في علاقة تصالح ولكنها كانت تهادن السلطة، ربما خطأها أنها لم تكن تعرف جيّداً خلفيات السياسة الدولية والإقليمية التي تكمن في الواقع السياسي هناك وفي ضوء هذا كان الخطأ الأول وإذا صحت مسألة العنف، فقد يكون خطأً لأنه عنف لم يدرس الظروف الموضوعية المحيطة بالساحة،ولا أدري هل أن ما يقال حقيقي أو غير حقيقي، كما أني لا أستطيع أن أتحدث بشكل واضح إن كانوا قد اختاروا العنف وإذا كانوا قد دخلوا حقاً في لعبة العنف أو أنه فرض عليهم.
وأنتم مطلعون على الساحة السياسية في الواقع التونسي كيف تقيّمون وتشخّصون المرحلة الراهنة في تونس من منظور الدور الرسالي الذي يحمل الإسلاميون رايته.
إنني أتصور أنه من الضروري جداً في هذه المرحلة هو رعاية الإسلام التقليدي ، أن يندفع الناس إلى المساجد ولو إكتفوا بالصلاة ، أن تتحرك الجماهير لتملأ الشوارع في يوم الجمعة لصلاة الجمعة حتى ولو كان الخطيب يتحدث بطريقة تقليدية،إن المرحلة هي إبقاء الروح الإسلامية وهذه ما لا تستطيع دولة تسمي نفسها إسلامية أن تلغيه . إنها قد تستطيع أن توظف خطباء المساجد وقد تستطيع أن تمنع الناس من التحرك السياسي في المساجد لكنها لن تستطيع أن تقمع المساجد وتمنع الصلاة. إننا نتصور أن بقاء الروح الدينية العبادية المنفتحةعلى الله وعلى اليوم الآخر وبقاء صرخات الله أكبر تمثل صرخة في وجه كل التيارات الأخرى والسياسات الأخرى، فإذا لم نستطع أن نتحرك بطريقة سياسية مباشرة فصلاتنا سياسة وحجنا سياسة وصومنا سياسة ونستطيع أن نكتشف المعنى السياسي في إيحاءات الكلمة وفي كل إيحاءات الأعمال لنعيش روحية ذلك ولندخل في مقارنة الأكبر الذي هو الله والأصغر الذي هو كل هؤلاء المستكبرين وكل هؤلاء الظالمين .
نود من سماحتكم أخيراً أن تتفضلوا بالتوجّه إلى الشباب المسلم في تونس بالنصيحة التي تنير طريقهم وتشحذ عزائمهم وترفع معنوياتهم.[7]
إنني أقول لهم كما قال الله على لسان يعقوب في قصة يوسف ( يا بنيّ إذهبوا فتحسسوا ليوسف وأخيه ولا تيأسوا من روح الله إنه لاييأس من روح الله إلا القوم الكافرون ) [يوسف-87 ]. وأقول لهم عن حديث الله عن أولائك ( الذين قال لهم الناس إن الناس قد جمعوا لكم..) [آل عمران-173 ] وقد قال لكم الناس أيها الأحبة إن الناس قد جمعوا لكم، إن المستكبرين قد جمعوا لكم،إن عملاء المستكبرين قد جمعوا لكم، إن وعّاض السلاطين قد جمعوا لكم ، إن المتخلفين السائرين في ركاب الإستكبار من خلال تخلفهم قد جمعوا لكم...فأخشوهم ..حاولوا أن تبتعدوا عن الساحة.. حاولوا أن تعيشوا الهزيمة، حاولوا أن تعيشوا اليأس، حاولوا أن تعيشوا الخوف. (..فاخشوهم فزادهم إيماناً..) [آل عمران-173 ] وعليكم أن تزدادوا إيماناً.. عندما تدخلون في مقارنة بين الله وبين كل هؤلاء.. وقولوا كما قالوا (.. حسبنا الله ونعم الوكيل* فإنقلبوا بنعمة من الله وفضلِ ..) [آل عمران-174 ] بعد صبر و جهاد وجُهدٍ وانفتاح وإصرار على الموقف وثبات في الواقع (..لم يَمْسَسْهم سوء واِتبعوا رضوان الله والله ذو فضل عظيم، إنما ذلكم الشيطان..) [آل عمران-174 ] الشيطان المستكبر والشيطان الظالم والشيطان المتخلف (.. يخوّف أولياءه.. ) [آل عمران-175 ] (.. فلا تخافوهم..) [آل عمران-175 ] لأنكم أقوياء (.. وخافوني إن كنتم مؤمنين ) [آل عمران-175 ] ( ولا تهنوا ولا تحزنوا وأنتم الأعلون إن كنتم مؤمنين) [آل عمران-139 ] ( إن يمسسكم قرح فقد مس القوم قرح مثله وتلك الأيام نداولها بين الناس..) [آل عمران-140 ] (..إن تكونوا تألمون..) [آل عمران-104 ] في تشريدكم وتألمون في إبتعادكم عن ملاعب صباكم وتألمون في سجونكم وتألمون في خنق حريتكم (.. فإنهم يألمون..) [آل عمران-104 ] بكل مشاكلهم وكل ضغوطاتهم وكل الذل الذي يستشعرونه من المستكبرين (.. وتَـرْجون من الله ما لا يَـرْجون.. ) [آل عمران-104 ]. أيها الأحبة إن الله يُحدثنا على أنه بعث في الأميين رسولاً منهم يتلوا عليهم آياته ويزكيهم ويعلِمُهم الكتاب والحكمة، كونوا مع الكتاب في كل آياته وفي كل الأمل الأخظر الذي يفتحه لكم فيما هو أوسع من السماء والأرض. كونوا مع الحكمة التي تعني وضع الشيء في موضعه، اُدرسوا الأرض دائماً أدرسوا الظروف دائماً اُدرسوا الواقع دائماً وإذا وقفتم تحت تأثير الضغوط القاسية تذكروا قول رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم(.. إذ أخرجه الذين كفروا ثاني إثنين إذ هما في الغار إذ يقول لصاحبه لا تحزن إن الله معنا فأنزل الله سكينته عليه..) [التوبة-40 ] وسينزل الله سكينته عليكم ( ..وأيده بجنود لم تروها..) [التوبة-40 ] وسوف يؤيدكم الله بجنود لن تروها ( وجعل كلمة الذين كفروا السفلى وكلمة الله هي العليا ) [التوبة-40 ] وستبقى كلمة الله هي العليا لأن الله هو الأكبر وهو الأعلى وهو العظيم فأنطلقوا مع الله ومع رسوله وقولوا لكل الذين يخوفونكم بالموت ويخوفونكم بالعذاب( قل هل تربصون بنا إلا إحدى الحسنيين) [التوبة-52 ] فنحن ننتصر بالنصر عندما يفتح الله لنا أبوابه وننتصر بالشهادة عندما يريد الله لنا أن نعيشها في كل جهادنا وفي كل حركتنا في سبيله . والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته .
وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته وجازاكم الله خيراً
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ [5] إلى عهد ليس ببعيد كان السؤال«... في العلوم الإنسانية...» الذي طرحناه سنة 1996 على السيد يعد في أوساط شرعية واسعة ولدى عدد من المشتغلين على العلوم الشرعية ضرباً من «الهرطقة»، لكن يلح اليوم عدد كبير من المشتغلين على العلوم الشرعية على ضرورة تعلمها و ضرورة مراجعة المختصين في العلوم الإنسانية قبل إستصدار الفتوى في شؤون تتعلق بشكل مخصوص بالظاهرة الإنسانية وتشعباتها. [6] تطرح اليوم مسألة الديمقراطية كما لو أنها الترياق السحري لمشكلات العالم العربي والإسلامي ، جاءت القوات الأمريكية بدباباتها والتحالف الدولي بجيوشه، ليشد أزر المعارضات الوطنية التقدمية ويدعم مطالبها لأجل تحقيقها على أرض الواقع،ففي حين كانت ذات الديمقراطية منذ عقد الثمانينات تُقدَم مفخخة على مقاسات الحركات الإسلامية لتصفيتها وكانت تلك الحركات المناضلة تدفع لأجلها الآلاف من أبنائها في السجون بعد إنتخابات1989 (تونس)وتدفع بمائات غيرهم من أبنائها إلى الساحات العامة للموت تحت رصاص الأنظمة الفاشية بعد الدورة الأولى من الانتخابات التي فاز بها الإسلاميون ( الجزائر) ويدان نجم الدين أربكان بسبب قبوله اللعبة الديمقراطية والعمل وفق قواعدها فيُحل حزبه ويُحجرعليه العمل السياسي، كان ذلك وغيره يحدثُ بموافقة من الغرب الديمقراطي الذي ظل يرعى الدكتاتوريات العربية والإسلامية ويقويها ضد شعوبها طوال العقود الخمسة الماضية. [7] حين طلبنا من السيد محمد حسين فضل الله أن يتوجه إلى الشباب التونسي بالنصيحة والإرشاد كان« لايزال الجمر حينها متّـقِد..‼.» وكانت لاتزال لجان اللأحياء ولجان الليقظة متيقظة ولم يكن قد أنهكها بعد تعب السهر والتجسس على بيوت الناس عند صلاة الفجر ، وكنا نعلم أن الشباب التونسي جميعه قد هجر المساجد التي لم يعد يؤمها غير المتقاعدين(المحالين على المعاش)وصار يحرس بواباتها أعوان الأمن بأزياء مدنية يتفحصون وجوه الخلق يوم الجمعة عند انقضاء الصلاة ، واختفت في تونس كل مظاهر التدين المعروفة: حجاب، لحية ، علامات السجود على الجباه ،تحية «السلام عليكم »عند دخول المحال التجارية أوالحوانيت أوالإدارات وكانت لاتزال الإيقافات والاعتقالات والإحتفاظات بمخافر الأمن تجرى على شبهة التدين بحجة الصلاة أو تحية الناس بتحية الإسلام أوانتعال البلغة التونسية،أوكل مايمكن أن يبدوعلى الرجل من حسن للخلق والحشمة والأدب الرفيع أوما يمكن أن يَرد على لسانه من إستشهادات دينية. ولم يكن يجرؤ أحد حينها أن يفتح بمتجره عند الصباح، أو يختم عند المساء، قبل الغلق، مُسَجلٌ للقرآن الكريم يستهل بآيات كريمات يومه أو ينهي بها نهاره ،وأصبحت خطب الجمعة في معظم جوامع البلاد نشرات ممجوجة لتوجيهات حزبية، وتوقفت الدروس بالمساجد وتوقفت مجالس علم كما توقفت أوراد و حلقات للذكر ولحفظ القرآن كانت قد بُعثت منذ ما يزيد عن خمسة عقود لم تنقطع طوال تلك الفترة مطلقاً. وقُـُدَّ للتونسيين من طرق الصوفية وزوايا أولياء الله الصالحين والموروث الغنائي القديم ( الحضرة) وموروث التونسيين من الألبسة(جبة وكدرون- سفساري وفوطة وبلوزة وملية) دين جديد تفخر السلطة التونسية بنجاحها في « حمايته» من التطرف والتشدد والمغالاة.
|