|
محمد فوراتي
تبلغ نسبة الشباب أكبر شريحة في المجتمع التونسي ويمكن أن تصل إلى ثلثي المجتمع. وفئة الشباب في مجتمع متعلم ثروة لا يمكن تقديرها بثمن وإذا أحسنت أي دولة وأي مجتمع استغلالها أحسن استغلال فإنها ستكون لا محالة أكثر تطورا وتقدما.
ولكن إصابة هذه الفئة بعدة فيروسات وأمراض محبطة تجعل المجتمع مكبل ومهدد ويمكن لهذه الثروة النعمة أن تتحول إلى نقمة عندما يصبح شبابها منحرفون أو متطرفون أو عالة على المجتمع. والمتأمل في المجتمع التونسي في السنوات الأخيرة وما تعيشه هذه الفئة الهامة من المجتمع من عراقيل ومعوقات يصل إلى قناعة بأن تونس فعلا في طريقها إلى خسارة ثروة لا تقدر بثمن إذا لم يقع تجاوز الأزمة ودراستها بسرعة وبوعي تام. إن طاقة العطاء لدى الشباب والتي يمكن أن تساهم في تنمية الدولة وتطويرها يمكن تحديدها بسن العشرين إلى الخامسة والثلاثين سنة، وهذه السن بالتحديد يقضيها القسم الأعظم من الشباب التونسي عاطلا عن العمل أو مندمجا في مجتمع التسلية واللهو (المقاهي والملاهي وملاعب كرة القدم ومعاكسة الفتيات) أو منجذبا إلى المقولات السلفية المتشددة وهو ما كشفته المحاكمات الأخيرة والتي يتراوح فيها سن الشبان بين 20 إلى 30 سنة في الأغلب. ولا يتفطن الكثير من الشبان لأنفسهم في غياب التأطير والبيئة المساعدة على الرشد إلا وقد تقدم بهم العمر فلا نفعوا أنفسهم ولا قدموا لمجتمعهم ما يفيد في أي من مجالات الإبداع. بل أن عددا من هؤلاء يجد نفسه على مشارف الأربعين بدون شغل ولا زواج ولاعائلة محطم نفسيا ولا يفكر إلا في نسيان آلامه (الهروب من الواقع) بمعنى اللجوء للانحراف أو الهجرة أو الوقوع في القلق النفسي وما يمثله من تفشي لأمراض اجتماعية غريبة كالعنف اللفظي أو العنف المادي أو اللجوء للسرقة والمخدرات وغيرها. ويبدو أن الحكومة التونسية وصلتها مؤشرات كثيرة على أن فئة الشباب التي كثيرا ما عول عليها الخطاب الرسمي أصبحت طاقتها مبددة، بل ربما تتحول إلى قنابل موقوتة ليس فقط على مستوى التشدد والميل للعنف بل وأيضا على مستوى الانحراف الأخلاقي والقيمي والميل للشذوذ بمختلف مفاهيمه. وكانت الحكومة التونسية قد أعلنت في 20 مارس الماضي بمناسبة عيد الاستقلال والشباب أن هذه السنة ( 2008) ستكون سنة الحوار مع الشباب، مطالبة بالشروع في تنظيم منتديات للاستماع إلى اهتمامات كل الفئات الشبابية في الداخل والخارج بدون استثناء. ومنذ ذلك الحين لاحظنا أن الحكومة فعلا أتاحت لعدد كبير من الشباب التعبير عن مشاغلهم وآرائهم بكل حرية والتي كان فيها أحيانا الصواب وأحيانا أخرى مؤشرات على الضياع الحضاري والفكري. وتراوحت نقاشات الفئات الشبابية أثناء المنتديات المباشرة أو عبر موقع الحوار على الإنترنت، بين الحديث عن تفشي البطالة والهجرة السرية وضعف المشاركة السياسية وبين المحسوبية والرشوة وتفشي العنف اللفظي والرفض للكبت والقمع والتمسك بالهوية العربية الاسلامية والمطالبة بالحرية وغيرها من الآراء التي تؤكد أن الشباب التونسي لديه درجة كبيرة من الوعي أو على الأقل قسم كبير منه. وقد عبر الكثير من الشباب عن عدم ثقتهم في الحكومة في تلبية مطالبهم أو القضاء على الظواهر المتفشية في المجتمع كالعنف والجريمة والانحراف. وتبقى الكرة الآن في مرمى الحكومة التي استمعت إلى صوت الشباب وهي تعرف جيدا مشاغلهم وهمومهم وعليها السعي لتجاوز فشلها طيلة العشرين سنة الماضية في تحقيق رؤية متكاملة للتحديات التي تواجه الشباب ومن ورائهم المجتمع بأسره. وفي الحقيقة لا تتحمل الحكومة وحدها المسؤولية عن ضياع هذه الثروة فجمعيات المجتمع المدني وأحزاب المعارضة بمختلف ألوانها تتحمل جزءا كبيرا في الوصول إلى هذه النقطة من أزمة المجتمع. فالمتأمل في نشاط مختلف المنظمات ومنها الاتحاد العام التونسي للشغل والرابطة التونسية للدفاع عن حقوق الإنسان وأحزاب المعارضة المعترف بها وغير المعترف بها يجد في الأغلب الأعم أن قياداتها ونشطائها بل ومنخرطيها هم من فئة الكهول والشيوخ ولا تكاد تجد في بعضها منظمة شبابية إلا ماندر. بل إن بعض الأحزاب وعمرها حوالي 40 سنة من العمل والتجارب المتنوعة تكاد مؤسساتها تضم فقط تحف من التاريخ لم يسمعوا بخطاب الشباب ولا روح الشباب وبقوا أسيري المقولات القديمة وتوقفت حياتهم في مرحلة تاريخية معينة. والأدهى من ذلك أن المعارضة الناشطة لم تضع الشباب في برامجها كأولوية وخلت مقراتها من الشباب. والمتتبع لنشاط هذه الأحزاب حتى التي كان لديها أذرع شبابية ( المعارضة اليسارية والإسلامية ) يجد أن المد الشبابي لديها قد توقف أو انحسر إلى أعداد قليلة جدا، مع اتساع لرقعة الشباب العازف عن العمل السياسي والباحث عن الحلول الفردية ( دبر راسك.. سلك أمورك..أخطا راسي وأضرب...) غول البطالة
لا يختلف اثنان في تونس اليوم على أن غول البطالة وخاصة في صفوف الحاصلين على الشهادات العليا أصبح التحدي الأكبر للمجتمع والهم المؤرق للعائلة التونسية. ورغم وعي الحكومة بهذه الخطورة فإنها بقيت تقدم الحلول المسكنة ( بنك التضامن، صندوق 21 ، التكوين المهني) ولم تخطو خطوات حقيقية نحو التقليص من حجمها، بل أن بعض وجوهها من ناطقين غير رسميين ووزراء يقللون في تصريحاتهم من مأساة البطالة ويقولون أنها في انخفاض مستمر لا نرى إلا عكسه في الواقع. ولا تمثل البطالة خسارة على المستوى الاقتصادي فقط للدولة التي تخسر الكثير بعطالة هذه الفئة، وهي أعزّ فترة من عمر الإنسان للبذل والعطاء، وإنما تتحول جحافل العاطلين إلى رصيد ثري للجريمة والانحراف والتطرف بمختلف أنواعه، وهذا ما يفسر إلى حدّ ما كثرة الجرائم وفظاعتها في السنوات الأخيرة، وجرائم التحيل والسرقة وقطع الطريق (البراكاج) والميل للشذوذ الاخلاقي الذي يعتبر أحيانا هروبا من حالة العطالة والعجز عن الزواج وتصريف الطاقات الجنسية بشكل شرعي وطبيعي. وأصبحت قضية البطالة ككرة الثلج كلما طال أمدها وتدحرجت كبرت أكثر، وربما ما حدث من احتجاجات في الحوض المنجمي أحد المؤشرات القليلة الظاهرة على اتساع هذه الظاهرة المرشحة أكثر للانفجار باعتبارها من أكثر الظواهر الاجتماعية تأثيرا على المجتمع. ويؤلمني جدا وأنا اتحدث في هذا الملف أن استحضر الآلاف من خريجي الجامعة التونسية من مختلف الاختصاصات ( فلسفة وعلم اجتماع وتاريخ وعربية وفرنسية وانجليزية وفيزياء وعلوم وإعلامية وطب وهندسة ورياضيات وغيرها من الاختصاصات) فالدولة تخصص ميزانية ضخمة للتعليم في مختلف مراحله وكذلك العائلة التونسية الحريصة كل الحرص على تعليم أبنائها والتي تخصص كل إدخاراتها أحيانا لهذه الغاية ولكن في النهاية وبعد سنوات من الكدّ والتعب تكون النتيجة الحيرة بحثا عن وظيفة، وبعض العائلات يتخرج منها الابن تلوى الآخر حتى يصبح لديها ثلاثة أو أربعة حاصلين على الإجازة بدون شغل. ويسعى البعض من هؤلاء ضمن أفق الحلول الفردية إلى القبول بأي وظيفة حتى تلك التي لا تتناسب مع اختصاصه أو الدخول في دوامة الرشاوي لبعض المتنفذين بحثا عن فرصة. وهناك الكثير من الحاصلين على هذه الشهائد وبعد أن يئسوا تماما، وبعد قضاء السنوات الطوال في الجري وراء السراب تمكنوا من بعث مشاريع صغيرة هي عبارة عن مسكنات تمنعهم من الجوع والاحتياج (عدد منهم فتحوا دكان حماص يشتغل فيه من الخامسة صباحا حتى الثانية عشر ليلا). والأدهى من كل ذلك أن بعض الطاقات الشبابية والكوادر في بعض الاختصاصات وبعد أن كلفوا ميزانية الدولة مبالغ طائلة في تكوينهم وتعليمهم تستفيد منهم دول أجنبية عديدة حيث تتاح لهم الفرص التي لم يجدوها في بلدهم. 10 آلاف يحاولون الانتحار سنويا
ومن الظواهر الخطيرة المسجلة في المجتمع التونسي ظاهرة الانتحار، وحسب ما أوردته دراسة حديثة حول هذه الظاهرة فإن واحداً في الألف ساكن سنويا يقوم بمحاولة انتحار، بمعني أن قرابة عشرة آلاف تونسي يحاولون الانتحار كل عام تنجح فرق الإسعاف في إنقاذ اغلبهم. وجاء في الدراسة التي أجراها ثلاثة من كبار أطباء الأعصاب والأمراض النفسية التونسيين أن نسب الانتحار ارتفعت في تونس وأصبحت تفوق ما هو عليه الوضع في أغلب الدول العربية. وتضيف الدراسة أن البطالة وما تسبـــــبه من إحباط وإحساس بالانكسار، تأتي في مقدمة دوافــــع الإقدام علي الانتحار، رغم أنها رأت أن تلك الدوافع تختلف حسب الأشخاص والظروف الاجتماعية التي يعيشونها. هذا وتعتبر النساء المعنفات أو المطلقات والأمهات العازبات الأكثر إقداما علي الانتحار، إضافة إلي فاقدي السند والمدمنين علي المخدرات ومرضي الإيدز والسرطان. ويفسر الباحثون الاجتماعيون الإقدام المطرد علي عمليات الانتحار بالضغوط الاقتصادية القاسية من فقر وبطالة، ويرون بأن القلق والكآبة وعدم الاستقرار تزداد بين العاطلين، وأنّ هذه الحالات النفسية تنعكس سلبياً علي العلاقة بالزوجة والأبناء، وتزايد المشاكل العائلية في حالة المنتحر المتزوج، أما بالنسبة للمنتحر الأعزب فتنعكس هذه الحالات النفسية علي محيطه الاجتماعي المصغر وهو العائلة ثم علي محيطه الاجتماعي الموسع وهم الأصدقاء والأقارب وباقي علاقاته الاجتماعية. العنف لا تكاد تخلو صفحات قضايا ومجتمع في الصحف التونسية من أخبار العنف والبراكاجات والمعارك بالأسلحة الحادة بين مجموعات من الشباب وخاصة في الأحياء الشعبية، كما تكون بعض المناسبات الرياضية فرصة لممارسة العنف المادي من تكسير وتهشيم واعتداء على الأبرياء والتلفظ بكل الألفاظ المنافية للحياء وسب الجلالة ( قام شبان بأعمال شغب خطيرة اثر فوز الترجي الرياضي بالكأس- أنظر الصباح يوم الأحد 6 جويلية: إحراق جزء من غابة رادس وإلحاق أضرار بعدد من السيارات). ويعيش مستعلموا وسائل النقل الجماعي من حافلات ومترو وقطار لحظات عصيبة بين الحين والآخر عند اقدام بعض الشبان على اعتراضهم وسلب ما يملكون، ويكون النصيب الأكبر من هذه الاعتداءات الفتيات وخاصة من كانت منهن ترتدي سلسلة ذهبية أو تحمل هاتف جوال يحلى في العين، أو تحمل حقيبة يديوية يعتقد أن بها مبلغا ماليا، حتى أصبح الناس يتندرون وهي حقيقة بأن المرأة التونسية أصبحت عاجزة عن لبس الذهب في الشارع. وتحضرني قصة طريفة عن هؤلاء الذين يقتنصون الفرص فبعد الفراغ الحاصل في الشارع من مرتديات الذهب فكر بعضهم في طريقة جديدة، فأثناء حفل عرس في أحد قاعات أريانة وعند منتصف الليل قامت مجموعة من الشباب بإخراج المدعوين من قاعة الحفلات بدعوى أن الحفلة عائلية ثم هاجموا كل النساء في قاعة الحفلات وسلبوهن ما يرتدين من قطع ذهبية ثمينة وغادروا المكان بكل اطمئنان وثقة في النفس، ونشرت بعد ذلك القصة في الصحف التونسية كمشهد عادي. وقد أصبح القتل أحيانا بغاية السلب أمرا عاديا ولا يثير أية غرابة فهذا يقتل بسبب هاتف جوال وهذا سائق تاكسي يقتل لسلبه مبلغا بسيطا وهذه فتاة تقتل لدفاعها عن شرفها (أنظر قصة جريمة قتل الفتاة سهام الرطيبي التي نشرتها الصباح الأسبوعي يوم 30 جوان الماضي تحت عنوان: استبسلت في الدفاع عن شرفـها فخـرّب جسدهـا بالطـعنــات) وهي نموذج لعشرات القصص التي نشرت في الصحف التونسية وذهبت ضحيتها فتيات في عمر الزهور من قبل وحوش آدمية. وسيقول العديد أن الجريمة توجد في كل المجتمعات وهي الاسطوانة المشروخة التي يستعملها البعض من الذين يخيرون سياسة النعامة وعدم مصارحة أنفسهم بما نحن فيه. ونقول لهؤلاء إن عدد ونوعية الجرائم التي أصبح يشهدها المجتمع التونسي لم يشهدها المجتمع من قبل سواء من جانب اتساعها أوبشاعتها، كما أن المجتمعات العربية وحتى الغربية لا تشهد مثل ما نشهده في شوارعنا والكثير منا يزور أو يقيم بدول عربية أخرى تترك فيها سيارتك مفتوحة لساعات ولا يقترب منها احد وتترك باب بيتك مفتوح ولا يتجرأ احد على الاقتراب منه. والسؤال الذي يجب أن يطرح هنا لماذا لا تكلف الحكومة التونسية هيئة من علماء الاجتماع والنفس وغيرهم بإعداد دراسة تحتوي على احصائيات قريبة من الواقع وتشرح الظاهرة التي أصبحت حقيقة لا تطاق ولا يمكن تحملها ؟ ويمكن اعتماد هذه الدراسة في معالجة المشكلة والبحث عن الحلول المجدية. 88 بالمئة يستخدمون العنف اللفظي أما ما يصطلح عليه بالعنف اللفظي فقد أصبحت ظاهرة تونسية بإمتياز ولا يمكنك وأنت تتجول في شوارع تونس مع أسرتك أن لا تتأذى بعبارات نابية وايحاءات جنسية تصل في بعض الأحيان إلى حدّ الاستفزاز. وقد أظهرت دراسة أجراها باحثون من تونس أن 88 بالمئة من الشبان التونسيين يستخدمون العنف اللفظي. وكشفت دراسة للمرصد الوطني للشباب (هيئة حكومية) أذاعها التلفزيون الحكومي ونشرتها الصحف وشملت 600 شاب وشابة من مناطق ريفية وحضرية أن نحو 88 بالمئة من الشبان المستجوبين أقروا أنهم يستخدمون العنف اللفظي. وأضافت أن 62 بالمئة منهم قالوا أنه يوجد في عائلاتهم من يمارس هذا السلوك. وأشاروا الى أن نسبة الآباء الذين يستخدمون العنف اللفظي داخل العائلات تبلغ 21 بالمئة. والعنف اللفظي المتفشي في أوساط الشبان بالاساس هو استعمال عبارات منافية للحياء أو سب الجلالة. فكيف يمكن أن نتصور مجتمع به 88 % من شبابه يستعملون العنف اللفظي بالإضافه أيضا إلى كهوله وشيوخه وحتى نخبه، ولم يعد غريبا ان تسمع مثل هذه العبارات حتى من الفتيات حيث أصبح التلفظ بهذه العبارات من علامات التقدم والتحرر. المخدرات أصبحت تنتشر في أوساط الشباب ظاهرة المخدرات بأنواعها الخفيفة (مثل الزطلة) والثقيلة (مثل الكوكايين والهيرويين) فضلا عن تناول الحبوب المخدرة دون وصفة طبية. ورغم غياب أرقام دقيقة وإحصائيات يمكن الاعتماد عليها فإن بعض التقارير وملفات القضاء تشير إلى اتساع الظاهرة وانتشارها في الأحياء الفقيرة خاصة وحتى في الأحياء الميسورة. وقد أثبتت الدراسة الحديثة التي أنجزها المعهد الوطني للصحة العمومية وأجريت على عينة من 2953 شابا أعمارهم بين 15 و24 عاما، أن 10 بالمائة منهم تعاطي المخدرات و أن 3.3 يواصل تعاطيها حاليا. بالإضافة إلى أن 3.5 منهم يتعاطاها عن طريق الحقن. كما أشارت الدراسة أن نسبة استهلاك الذكور للمخدرات تفوق أربع مرات النسبة المسجلة لدى الإناث. كما أظهرت الدراسة أن 15.2 في المائة من الشباب صرحوا باستهلاكهم للمخدرات مقابل 3.8 من الفتيات اللاتي كشفن عن إدمانهن. وبخصوص الطريقة المعتمدة في تعاطي هذه المواد ذكرت الدراسة أن 3.5 في المائة من الشبان المستجوبين صرحوا باستخدامهم للحقن، وأظهرت الدراسة أن الفئات العمرية الأكثر عرضة للانجراف في المخدرات ولسلوكيات أخرى محفوفة بالمخاطر كالعلاقات الجنسية غير المحمية هي الفئة الشبابية من أبناء المعاهد الثانوية والمدارس. وبالتوازي مع الدراسة الأولى، أجريت دراسة ثانية لنفس المعهد الطبي وشملت عينة من 376 مدمنا وامتدت لخمس سنوات. وأثبتت الدراسة الثانية أن 93 بالمائة من العينة هم من فئة العزّاب وأن 78 بالمائة منهم تعاطوا المواد المخدرة قبل سن العشرين. وتقول تقارير صحفية إن حي ابن خلدون وحي فرنسا والعمران الأعلى وحي التحرير وحي التضامن، أسماء لسلسلة من الأحياء المتلاصقة الواقعة بالعاصمة وتعرف بكونها معاقل معروفة لتجار المخدرات والمدمنين على الزطلة. قوارب الموت ظاهرة قوارب الموت أو الحرقة كما يسميها التوانسة أصبحت من المعضلات التي تشغل الرأي العام الوطني (وحتى الأوروبي) الذي يطالب أيضا بضبط هذه الظاهرة. والغريب في هذا الملف هو إصرار الشباب التونسي رغم الخطر المحدق بالحراقة على الهروب من بلدهم مهما كان الثمن ولو كان الموت غرقا. ولم تعد قضية الهجرة السرية مجرّد خرق للقوانين والترتيبات الإداريّة المنظّمة للهجرة، أو مجرّد حالات شاذة تحصل بين الفينة والأخرى، إذ تحوّلت في السنوات الأخيرة إلى ظاهرة اجتماعيّة لها مبرراتها الاقتصادية والسياسيّة والثقافية. وتتواتر الأخبار والتقارير الصحفية كل صيف عن ضبط أعداد من الحارقين أو العثور على جثث أو القبض على شبان يحاولون التسلل وإعادتهم إلى البلاد. وطبعا هناك قسم لا بأس به من السجون التونسية أصبح يعج بهذه الفئة من الشباب الذين لم يسعفهم الحظ في الوصول إلى لمبادوزا أو غيرها من المدن الأوروبية، ومنحهم الموت شهادة تأجيل مؤقتة حتى يعيدوا الكرة مرة ثانية. وأورد في هذا الإطار هذه الشهادة التي نقلها الزميل إسماعيل دبارة وتؤكد هذا الإصرار الغريب على الهروب لدى الشباب وهي مثال لما سجل عن الكثير منهم خلال أبحاث اجتماعية نشر بعضها في الصحف. يقول أحد العينات وهو شاب في العشرينات من عمره سجن مرتين بعد فشل محاولته التسلل إلى ايطاليا: حاولت مرتين وعوقبت وإلى اليوم لم أدر لم عوقبت بالضبط؟ هل يعاقب الإنسان في تونس لأنه طمح إلى تحسين مستوى عيشه؟ هل يعاقب لأنه حاول البحث عن شغل في مكان آخر بعد أن عجز أخوته وأهله عن إيجاد شغل شريف له؟ هذا منطق لا يمكنني فهمه بتاتا...مستعدّ لتكرار التجربة للمرة الثالثة لو أتيحت لي الفرصة فالسجن والبطالة أضحيا سيّان بالنسبة لي... الحرقة هي الحلّ الأمثل إلى أن يأتي ما يخالف ذلك. وطبعا يكشف هذا الإصرار وتكرر المأساة كل سنة بدون توقف في السنوات الأخيرة عن حالة الانسداد واليأس التي تصيب الشباب في هذه الظروف من إمكانية تحسين وضعهم المادي والعيش بكرامة. الشباب والسلفية المتشددة يعتبر هذا الملف من أخطر الملفات المطروحة اليوم على المجتمع التونسي لما يمكن أن يخلفه من آثار مستقبلية على البلاد والعباد. فقد أثبتت المحاكمات والإيقافات الأخيرة ضمن ما يسمى بحملة مكافحة الإرهاب والتي شملت الآلاف من الشباب التونسي، انه في غفلة من النظام والنخبة المغيبة، ونظرا لأن الطبيعة تأبى الفراغ تسرب الخطاب السلفي المتشدد إلى قناعات الشباب التونسي وامتد ليشمل كل الجهات تقريبا من بنزرت حتى بنقردان، وهذا في رأيي أمر طبيعي ومتوقع لسببين على الأقل الأول هو فشل خيارات السلطة الثقافية والسياسية والاقتصادية والفجوة الكبيرة التي أصبحت تفصلها عن هموم شعبها، والثاني هو غياب تيار وسطي يمكن أن يرشد ويؤطر الشباب المتدين بالإضافة إلى غياب علماء الدين والمفكرين المستنيرين والذين لهم سلطة معنوية على الناس. أما الأمر غير الطبيعي فهو سعي السلطة المحموم لاستغلال هذه الظاهرة سياسيا ودوليا عبر المنهج الأمني ومعاقبة هذه المجموعات من الشباب حتى من لم يتورط منهم في عنف، فأغلب المحاكمات تتم بناء على المعتقدات والأفكار، أو بنيّة الذهاب للعراق أو فلسطين للجهاد. ومن الطبيعي في ظل هذا المنهج الأمني وتغول سلطة الدولة أن يصاحب هذه الحملة التعذيب والأحكام القاسية، هذا بالإضافة إلى المنع من الدراسة والشغل بعد قضاء العقوبة، وهو ما يجعل هؤلاء الشباب يحسون بظلم واستهداف وتشف غير مبرر، مما سينجر عنه حتما شعور بالغبن والحرمان والإقصاء ليس لديهم فقط بل لدى عائلاتهم ومحيطهم وهو ما يمكن أن يزيد من تشدد هؤلاء ولجوئهم للانطواء، وربما الانخراط في ردات فعل غير محسوبة العواقب. والمؤلم في هذا الملف أن كل هؤلاء الشباب هم من المتفوقين في دراستهم (أغلبهم طلبة جامعات) ومن المشهود لهم بحسن السيرة والأخلاق مما يجعل خسارتهم بهذا الشكل كبيرة على مجتمع طموحه في التقدم والاستقرار كبيرا. وكان من الممكن ترشيدهم بأساليب أخرى غير الأسلوب الأمني الذي ثبت فشله سابقا في كل الدول عبر الحوار ومحاولة الإقناع والتشجيع على الانخراط في مشاريع علمية وتربوية وثقافية ورياضية مفيدة لهم وللبلاد. فيجب أن تكون هناك قناعة لدى الدولة والمجتمع أن هؤلاء الارهابيين المفترضين هم نتاج لسياستها الفاشلة وعليها أن تأخذ بيدهم وان تستفيد من طاقاتهم لا أن تعمق لديهم الجرح والمهانة ولدى عائلاتهم الذين يعيشون في الحقيقة مأساتين الأولى خوفهم على صحة وحياة أبنائهم والثانية الرعب والترهيب المسلط عليهم كعقاب جماعي غير مبرر. فالدولة هنا ارتكبت الجرم في موقعين الأول عندما فشلت في تأطير الشباب وتحقيق طموحاتهم والثانية عندما عاقبته على اعتناقه لأفكار هي السبب غير المباشر في انتشارها. المثليون الجنسيون ربما البعض منكم سوف سيصاب بالصدمة وهو يقرأ هذه الأسطر الأخيرة ولكنها حقيقة ومظهر آخر من مظاهر الضياع والفراغ الروحي والثقافي الذي أصاب فئة الشباب. فرغم غياب إحصائيات دقيقة أيضا يمكن الاعتماد عليها إلا أن ظاهرة اللواطيين والسحاقيات في توسع مستمر بسبب بداية تفكك الأسرة وعجز الشبان والفتيات عن الزواج والانحلال الاجتماعي والأخلاقي الذي من مظاهرة أيضا كثرة الطلاق والأمهات العازبات والعنوسة وتأخر سن الزواج وغير ذلك. وتشير بعض الإشارات غير العلمية إلى أنه ربما تكون تونس هي الأولى في عدد المثليين عربيا وإسلاميا وهذا حسب ما ذكره نادي اللواطيين بكولن في ألمانيا، ونتمنى أن لا يكون ذلك صحيحا. ورغم أن العديد من قراء هذا المقال يعرفون أمثلة عديدة على المثليين (راديو6 الذي يبث على الانترنت استقبل احدهم على الهواء ليتحدث عن تجربته) كما أن السجون التونسية تعج بهذه الفئة والكثير ممن خبروا السجون في السنوات الأخيرة من الإسلاميين وغيرهم رووا قصصا عن هذه الفئة من المجتمع تكشف بوضوح عن اتساع حجم هذه الظاهرة، نورد هذه الشهادات التي نقلتها الزميلة أمال الهلالي في تقرير صحفي لها تحت عنوان المثلية الجنسية بين الشباب التونسي ... كيف ولماذا؟ جاء في التقرير أن عادل أو 'صافيناز' كما يطلق عليه أصدقاؤه، يعمل حلاقًا، فهو قد تجاوز عتبة الثلاثينات، ويقول: منذ صغري كنت دائم التعلق بوالدتي، كما لا تحلو لي الجلسات إلا مع فتيات الحي، وحين بلغت سن المراهقة بدأت أشعر بميل خاص جدًا نحو الفتيان، وصلت إلى حد المعاشرة. سألته عن علاقته بعائلته حاليًا فأجاب: هم لا يحبونني ولا يتشرفون بي، لذلك هجرتهم لأعيش برفقة أصدقائي الفتيان حياتي الخاصة والحميمية. وعن نظرات الاحتقار التي يلمحها في عيون الجيران يقول عادل هم يطلقون علي أبشع عبارات السب والشتم خاصة الذكور، ولا أبالي بأحد وأعيش عالمي الخاص في الليل مع مجموعة من الفتيان المثليين، صراحة أرتاح كثيرًا بصحبتهم وأحب أن أقوم بدور الأنثى. وإذا كانت دوافع عادل نتيجة لترسبات وظروف نشأته، فإن الأمر مع وليد 23 سنة يختلف تمامًا، فبنيته الجسدية وطريقة حديثه توهمانك بأنك أمام فحل مكتمل الرجولة، وهو ما دفعنا لسؤاله عن أسباب اختياره لمثل هذه العلاقات المثلية، فأجاب: لقد تعرضت لصدمة عاطفية أصابتني في مقتل، ونتيجة لخيانة صديقتي لي صرت أكره معاشرة الفتيات وأحس بالوفاء والحنان للرجال وقد كانت البداية مع صديق مثلي عرفني على آخرين وصرنا نمارس هذه العادة بشكل جماعي اذ نلتقي مرة أو مرتين كل أسبوع في منزل أحدنا. أما نادر فيعمل طبيبا بأحد المستشفيات وقد بدأ بممارسة هذه العادة منذ الصغر مع ابن الجيران وكانت البداية بدافع الاكتشاف لكنها تطورت شيئا فشيئا لتصل إلى حد النفور من معاشرة الفتيات 'على حد قوله' وعما إذا كان هذا الأمر يقلقه أو يسبب له إحراجا يقول نادر بكل ثقة أنا مقتنع تماما بما أقوم به ولا أبالي بما يقول الآخرون. أما آن الأوان؟
لو تيسر أن نقوم بإحصائية بسيطة وعلمية عن عدد الشبان التونسيين الذين شملتهم البطالة وآثارها وأعمال العنف (المجرم والضحية) وضحايا الهجرة السرية والمخدرات والانحراف الأخلاقي والانتحار وضحايا قانون الإرهاب وغيرها فإنه من المؤكد أن العدد لن يكون يسيرا وسنكتشف أن عددا مهولا من شبابنا ضاع عمره ومستقبله وخسره المجتمع بشكل أو بآخر، وأننا كمجتمع ودولة ضيعنا الكثير من الوقت في النظر للمشكلة دون البحث عن الحل، وخيرنا الحلول الأمنية السهلة التي لن تزيد الأمور إلا تعقيدا. طبعا هذا ليس تشاؤما أو تضخيما فالحمد لله أن عددا محترما أيضا من شباب تونس شق طريقه نحو النجاح بفضل المبادرة الفردية ودور مؤسسة العائلة، ومازال في المجتمع الخير الكثير، ولكن هدفنا التنبيه إلى أن مواصلة الصمت على اتساع هذه الظواهر التي تأكل من أعمار شبابنا ومن طاقة مجتمعنا سوف يصيبنا في مقتل وسوف يجعلنا عرضة للتفكك والانهيار لا قدر الله، فما يحدث من تفاعل في المجتمع بسبب الضغوط الاجتماعية والاقتصادية والسياسية، وما يسلط على المجتمع من أفكار وقيم سطحية ومادية ليس هينا ويحتاج إلى تكاتف الجهود بين الدولة ومؤسسات المجتمع المدني وأحزابه لدراسة حقيقية لوضع الشاب التونسي وتوفير سبل كرامته لا تحميله المسؤولية ومعاقبته. كما أنه من الضروري اليوم التأكيد على دور الأسرة وتماسكها، وتشجيع المؤسسات الثقافية التي أصبحت خاوية على استقطاب الشباب، وإعادة دور المسجد وعلماء الدين المستقلين لممارسة دورهم في التوعية والتوجيه والارتقاء بالوعي، وإعطاء دور ريادي للمثقفين والكتاب والإعلاميين لممارسة دورهم الرقابي والتربوي بكل حرية. وبدون ذلك وبدون توفر الإرادة السياسية التي يسبقها وعي بحجم المشكلة فإن مثل هذه الظواهر سوف تتوسع وكلما توسعت أكثر يصعب علاجها والحدّ من آثارها المدمرة على المجتمع. المصدرمدونة محمد فوراتي 13 جويلية 2008 http://fourati-mohamed.maktoobblog.com/1152260/%D8%A7%D9%84%D8%B4%D8%A8%D8%A7%D8%A8_%D8%A7%D9%84%D8%AA%D9%88%D9%86%D8%B3%D9%8A:__%D8%A7%D9%84%D8%AB%D8%B1%D9%88%D8%A9_%D8%A7%D9%84%D9%85%D8%A8%D8%AF%D8%AF%D8%A9
|