بقلم سليم بوخذير*
أرفع أحرّ عبارات إمتناني إلى كلّ الشرفاء في الدّنيا الذين هرعوا إلى مُساندتي في محنتي.... اقرأ بقية الرسالة إضافة إلى مقاله الأول بعد مغادرته السجن بعنوان يوم حلُم الدكتاتور
شكرا لكلّ الضمائر الحرّة
بقلم سليم بوخذير*
أرفع أحرّ عبارات إمتناني إلى كلّ الشرفاء في الدّنيا الذين هرعوا إلى مُساندتي في محنتي..يوم أراد نظام الدكتاتور زين العابدين بن علي ختم مسلسل قمعي و إضطهادي بحلقة جديدة هي إعتقالي ذات ليل في 26
نوفمبر – تشرين الثاني 2007 ورميي في غياهب سجونه غير الخافية على أحد حجم معاناة نُزلائها
فيها ، وذلك عقابا لي على تمسّكي بإستقلاليّتي كصحفي وكشفي لملفّات فساد حُكمه التسلّطي وبهدف
حرماني من حقّ التعبير حيث ضمِن الدكتاتور في السجن حرماني من حقّ التعبير لأشهر ثمانية حيث منع
عنّي التراسل بينما لم يمكّني السجّانون من حقّ التحاور لأكثر من دقائق برقيّة مع زوجتي ، فضلا عمّا
لقيته في السجن من معاناة التشفّي . لقد نزلت مساندتكم لي و مطالباتكم المتواصلة بالإفراج عنّي بردا و سلاما على قلبي في زنزانة السجن
المُضيّق الإنعزالي و كانت وسام شرف على صدري و أنهار نور تدفّقت في عتمة معاناتي و أشعلت في
القلب قناديل فرح لا ينتهي .. شكرا لكلّ الديبلوماسيّين الذين تابعوا قضيّتي منذ بدايتها و بذلوا المساعي للإفراج عنّي ..شكرا لهم
من القلب .. شكرا لكلّ منظمات حقوق الإنسان الدوليّة التي سارعت إلى إطلاق حملة من أجل تحريري من أغلال
المعتقل .. شكرا لمنظّمة العفو الدولية التي حضرت لمواكبة محاكمتي منذ بدايتها عن طريق نائبة
المدير الأخت الفاضلة حسيبة حاج صحراوي ولم تهدأ حملتها للإفراج عنّي يوما .. شكرا للأخت هبة
و للأخت صابرين و للأخت هيلان و للجميع في منظمة العفو الدوليّة .. شكرا للشبكة الدولية لحرية
التعبير(إيفيكس) وكلّ المنظمات المكوّنة لها .. شكرا ل"هيومان رايتس ووتش" و كلّ فرسانها
.. شكرا لمنظّمة "الخطّ الأمامي" ..شكرا للجنة العربيّة لحقوق الإنسان والشبكة العربية لحقوق
الإنسان و الشبكة المصرية لحقوق الإنسان وفرسان حركة "كفاية" .. شكرا للحنة جائزة بنشيكو وأقول لهم إنّ تشريفكم لي سأكتبه بماء الذهب في دفتر حياتي وسيزيدني إيمانا
بحجم الأمانة المُناطة بعُهدتي كصحفي وأعني أمانة قول الحقيقة و نشرأنوارها كلّفني ذلك ما كلّفني .. شكرا لكلّ المنظمات التونسية دون إستثناء .. للمجلس الوطني للحريات ومنظمة "حرية
وإنصاف" والرابطة التونسية لحقوق الإنسان والجمعيّة الدوليّة لمساندة المساجين السياسيين والجمعية
التونسية لمناهضة التعذيب وفرع منظمة العفو ولكلّ الأحزاب الشريفة وقلاع النضال الصامدة وفي
مقدّمتها حزب المؤتمر من أجل الجمهوريّة و حزب العمال الشيوعي التونسي و الحزب الديمقراطي
التقدّمي و حركة النهضة و التكتّل الديمقراطي من أجل العمل و الحريات وحركة التجديد .. شكرا من القلب لكلّ المنظمات المُدافعة عن حرية الصحافة و حُرمة الصحافيّين.. شكرا من الأعماق
ل"مراسلون بلا حدود" ، للأخ روبار مينار و للأخت هاجر سموني والأخ ميشال والجميع ...
شكرا للجنة الدولية لحماية الصحافيين ، شكرا لجويل كمبانا الذي حلّ بتونس من أجلي و تجشّم مغامرة
التوجّه أمام المعتقل من أجل زيارتي تحمّل المضايقات الأمنيّة الشديدة التي تعرّض لها في صفاقس ..
شكرا للأخت شيري و لأخي كمال العبيدي و لكلّ فرسان اللجنة الدولية .. شكرا لزملائي في الإتحاد
الدولي للصحافيين الذين لم يدّخروا أي جهد ..شكرا لهم دون إستثناء .. شكرا لأيدن وايت و لسارة
..و للجميع .. شكرا لمنظمة rorypeck بلندن و لكلّ قيادتها الشريفة التي لم تتأخر في
مساندتي و التحيّات للأخ حيدر وللجميع .. شكرا لمكتب نقابة الصحافيّين التونسيين دون إستثناء وعلى رأسه الزميل العزيز ناجي البغوري ولكلّ
قواعد النقابة من الزملاء النزهاء الذين وقفوا وقفة رجل واحد من أجل الإفراج عن زميلهم .. شكرا
للزملاء الأعزاء دون إستثناء في تونس و منهم الزميل لطفي حجّي و محمود الذوادي ومحمد الفوراتي
وسكينة عبد الصمد وبسام بوننّي وطارق عمارة والجمعي القاسمي وحميدة بن صالح وجمال العرفاوي
ومحمد كريشان ونبيل الريحاني ومحمود العروسي وتوفيق العياشي والصحبي صمارة و لطفي الحيدوري
ومحمد الحمروني والقائمة تطول فمعذرة على عدم ذكر الجميع .. شكرا لكلّ الصحافيّين في العالم الذين لم يغتالوا الحروف في أغماد الأقلام وإنّما حبّروا و حبّروا طويلا
عن معاناة زميلهم سليم بوخذير .. شكرا لفرسان القلم في كلّ المؤسّسات الإعلامية الشريفة الذين
كتبوا عنّي في "لومند" و نوفال أوبسرفاتور" و "ليبيراسيون" و "ذي أندبندنت" و"القدس
العربي" و "السفير و "الشرق " و"المصريون" و"الحياة" و "العرب" و "الغد" و
"المصري اليوم" و "الدستور" و "الوطن" و"الأخبار" وغيرها من العناوين النزيهة .. شكرا لزملائي في "فرانس برس" و "قدس برس" و "يو.بي.إي" و "آسوشييتد برس" و
"رويترز" .. شكرا لزملائي الأعزاء في "العربية نت" و شبكة "أم.بي.سي" الفضائيّة
بشكل عام و ل "الجزيرة نت" و شبكة الجزيرة الفضائية بشكل عام .. شكرا للفرسان الأخيار في
قناة "الحرّة" العزيزة على قلبي وللأخوين محمد اليحيائي وغريتا صليبا وكلّ الزملاء .. شكرا
ل"سي.أن.أن" و لهيئة الإذاعة البريطانيّة "بي.بي.سي" و لزملائي في إذاعة و تلفزيون
ألمانيا..شكرا لإخوتي في قناة "الحوار" من لندن ..شكرا لفرسان صحيفة "كلمة" و "
الموقف" و "مواطنون" و "الطريق الجديد" و "ليكسبراسيون" و قناة "الحوار التونسي"
في تونس ولفريق العزيزة "تونيس نيوز" و كلّ المواقع التونسيّة الشريفة .. شكرا من القلب لأخي
فارس المُدوّنين سامي بن غربية و كلّ الشرفاء الذين أطلقوا معه حملة للإفراج عنّي .. *** شكرا لكلّ من ساندني دون إستثناء و ليعذرني من نسيت ذكرهم فهم في القلب جميعا ..و أقول لهم :
مساندتكم فخر لي والله أسأل أن يوفّقني لأكون دائما في مستوى إنتظاراتكم صحفيّا يحترم ميثاق شرف
المهنة و يبذل العرق النبيل من أجل إعلاء راية الحقّ والحقيقة .. عاشة حرّية الصحافة.. عاش ميثاق شرف الصحفي .. عاش الصحفي .. عاشت حُرمة
الصحفي .. عاشت حرّية التعبير .. عاشت الحرّية و ميثاق حقوق الإنسان .. عاش الإنسان
..
مع ودّي الفائق
* أخوكم سليم بوخذير *************************************
يوم حلُم الدكتاتور
القلم الحرّ سليم بوخذير
يقدّم القلم الحرّ هذا المقال الأول بعد مغادرته سجون النظام ليعود كعادته محلّقا في فضاء الكلمة الحرّة التي
لا تقف عند حدود السجون ولا تخاف القيود ولا كلّ أساليب الترهيب.
كان صاحب الحبر الشريف يُغمد شوكة قلمه في مواطن الدّاء وكان عمّنا الدكتاتور يزداد غضبا ..لم
يكن صاحب الحبر الشريف يبذل شيئا آخر غير الحبر الشريف ، لم يرفع سلاحا في وجه أحد ، لم يُضايق
قطط الطريق ، لم يرجم نجوم السماء ، لم يقتلع أشجار الوطن ، لم يمنع ضحكات البراعم ولم يكنس عطر
العذارى ينسابُ طُهرا في الطريق ، لم يُزعج لا البحر و لا حمامات باب البحر ولا سنديان الشمال ولا
نخل الجنوب ، كان فقط يبذل مدادا شريفا ينهمر أنهار نُور مُتدفّق على الأوراق هنا وهناك ثمّ يمضي ، و لكنّ الدّكتاتور لا يأبى ، الحبر الشريف كان يعني للدكتاتور الصُّداع والصّداع مرفوض في قاموسه
الشهير ، الحبر الشريف كان هنا و هناك و الدكتاتور كان يراه صُداعا .. هنا و هناك ، وأيّ صُداع ؟ الصّداع كان يخرج له من كلّ مكان ، يفتح الأنترنت فيجد الصّداع ، يتصفّح الصّحف المُحرّمة على غير
ال'المواطنين الصالحين' فيجد الصّداع .. يتجوّل في فضائيّات إختارت فسح المجال لصاحب
الحبر الشريف فيجده يروي بأعلى صوت حكايا الحقّ في بلد العشرة ملايين مغلوب على أمره ..يراه
فيرى الصّداع .. من حكايات عماد مع اليخوت المسروقة إلى حكايات حسام مع ضحايا 'عار أكاديمي' .. من
أخبار مدرسة الأعاجيب بقرطاج والهدايا إلى المدرسة من مالنا العام إلى أخبار قمع فارس الحرّية في
المعتقل لأكثر من عاميْن وأخبار الحدائق السرّية ومن بقي فيها من المقموعين .. أخبار وبيانات مجلس
الحريات وحصار الرابطة وتضييق الخناق على جمعية نساء ديمقراطيات و أنباء إضرابات الجوع ومعاناة
المحامين والصحافيين وحكاية حكومة حرّية المرأة مع قمع النّساء و مُحاصرة الأحزاب و الحرمان من
حقّ الإجتماع والتنقّل وحتّى حقّ التنفّس أحيانا .. و . . و.. إلى آخر قائمة المحظورات في
أخبار من لا يعترف بالخطوط الحمراء ، حبر شريف بكلّ الألوان فلا مُواربة و لا تزييف والدكتاتور لم يكنْ
يراه حبرا .. مجرّد حبر ، و إنّما كان يراه صُداعا يتحوّل إلى دُوار ثمّ لست أدري إلى ماذا .. من سمح له ؟ كيف يتجرّأ على أن يكتب كلّ هذا ؟ من يحسب نفسه ؟ هل يكون قد صدّق أنّنا بلد
الحرّيات ( و ليس بلد التحرّيات)؟ ألا يخشاني؟ تمرّ الأسئلة في ذهنه و لكنّها لا تُنهي الصّداع الذي يتحوّل إلى دوّار ثمّ لست أدري إلى ماذا ..نام فحلُم
، رأى في ما يرى النائم صاحب الحبر الشريف تُكبّله أصفاد عسسه و ترميه نعالهم في زنزاناته المُضيّقة
الشهيرة ..ثمّ يحرمه الضوء والهواء النقيّ .. تستبدّ (في منام الدكتاتور) بصاحب الحبر
الشريف مُعاناة الإقامة في مرحاض لا يزيد حجمه عن 2,8 متر على 2,8 متر بمرافقة إثنيْن
يضايقانه و بعض الحشرات المُرحّبة بالقادم إليها ترحيب المشتاقين ..يأكل التوق و الشوق قلب صاحب
الحبر الشريف إلى ملاكيْن تركهما بين أحضان أمّ ثكلى و إلى رفقةٍ من الشرفاء حُرم من أصواتهم و
أنوارهم الكاسرة للعتمة ..يأكله التوق والشوق إلى كلّ شيء فقد حُرم من كلّ شيء حتّى الماء يصبح
إتّصاله بالزنزانة من قبيل أعاجيب الدّنيا السبعة.. هرسلة و رسائل خفيّة للتركيع..تدهور صحّي و
أزمات تنفّس يكاد يُشارف فيها على الموت وتهديد لسلامة الجسد .. السجن المُضيّق الإنعزالي لصاحب الحبر الشريف ، آه كم هو حلّ مُريح لإراحتي من الصّداع ، هكذا
ردّد الدكتاتور في منامه .. قضيّة نبتدعها إبتداعا كما تعوّدنا وحُكم يُريحنا من المتاعب .. ثمّ نُردّد
في الصحف و التلفزيون البائس أنباء الجنّة الموعودة و مسارنا التعدّدي وعهدنا السعيد ونطحه الشديد ..
و 'دوّحي يا مباركة دوّحى' على عهدنا المُبارك .. تتواصل المنامة وفي آخر مشاهدها ما يلي : يخرج صاحب الشريف من المُعتقل بعد أشهر
وأشهر من الكوميديا السوداء بجسد منهكٍ عليل ورأس مطأطئٍ و قلم مكسور وحبر ناضبٍ وقلبٍ مسّه صدأُ
الجُبن و عفن الخوف ونزق الإستكانة و الخنوع ..يرتمي خاضعا للدكتاتور مُردّدا :عاشت جمهوريّة
الغد و ما بعد الغد وأنت أو لا أحد يا مولانا ومولى آبائنا وأجدادنا ونموت نموت و تحيا أنت فوق رؤسنا و
نِعالك تدهس أنوفنا و نحن نسبّح بحمدك و ملعون من يبذل حبرا شريفا يؤدّي إلى الخروج من جنّتك الكريمة
يا عمّنا .. ينهض الدكتاتور في الصباح ليُنفذ ما رآه في المنام بحذافيره في الواقع ، تدور عجلة الأقدار بنفس
سرعة التعليمات ..يأخذ العسس صاحب الحبر الشريف ذات ليل إلى زنزانة المهالك .. يصدر
الحُكم رغم رداءة الإخراج التي ميّزت المسرحيّة السخيفة ..تمرّ الأشهر بلياليها المُضنية و
نهاراتهاالبائسة تماما كما مرّت في منام الدكتاتور .. تصدق الرؤية في كلّ فصولها .. معاناة و
روائح قذرة وإقامة لا تليق بالحياة الخنزيريّة فما بالك بالآدميّة.. هرسلة وحرمان من كلّ الحقوق ..
يأكله التوق و الشوق إلى الملاكيْن بين أحضان الأمّ الثكلى.. إلى رفقة الشرفاء ..إلى كلّ شيء
..تماما كما في المنام .. كلّ شيء كريه و قبيح وكلّ شيء يقول لك :إركع .. و يأتي موعد 21 جويلية 2008 ..مضى كلّ شيء كما كان في المنام .. و خرج صاحب
الحبر الشريف ولكن الرؤية لم تصدق في مشهدها الأخير هذا فقط .. نأسف لإعلامك يا عمّنا الدكتاتور
: صاحب الشريف لم يخرج بعد أشهر و أشهر من الكوميديا السوداء برأس مطأطئ و قلم مكسور وحبر
ناضب و قلب مسّه صدأ الجُبن وعفن الخوف و نزق الإستكانة و الخنوع .. مثلما حلُمت..خرج
بجسد عليل هذا صحيح لكن بقلب تسري فيه أنهار صدق و عمق وبقلمٍ صار حبره الشريف أكثر تدفّقا
..و بإرادة صارت أصلب على لعن الظلام وإشعال ألف شمعة و شمعة في الدروب .. صاحب الحبر الشريف صار أكثر حبّا لمزيد بذل الحبر الشريف.. والكوميديا السوداء زادت أجنحة
الحرّية إمتدادا في أفقه ..و صوته لم يبح و إنّما صار يصل جميع الأرجاء مُردّدا : إن عشْت فعِشْ
حُرّا .. و سيأذن فجر تونس بالبلج حتما .. و لو كره الكارهون .. عاد صاحب الحبر الشريف من جديد ليبذل الحبر الشريف ... و قد يعود الدكتاتور للصّداع الذي
يتحوّل إلى دوّار ثمّ إلى لست أدري ماذا ..وما كان عليه منذ البداية أن يرى في حبر شريف صداعا و
إنّما هو حبر شريف يزرع في الوطن سنابل نور أصلها ثابت و فرعها في السّماء .. ونموت نموت و يحيا الوطن .. نموت نموت و يحيا الوطن ..نموت نموت و تحيا الحرية ..
نموت نموت وتحيا حرّية الكلمة وفُرسانها الأخيار .. نموت نموت و يحيا الحبر الشريف .. و
الصُّداع لأعداء النّور .. .. و صباح الخير يا تونس .. (المصدر: موقع مجلة 'كلمة' (اليكترونية – تونس) بتاريخ 12 أوت 2008)
|