توفيق المديني دواعي الحرب الروسية - الجورجية في أوسيتيا الجنوبية
منير شفيق الحرب الجورجية - الروسية.. من المعتدي؟
سليم نصّار كيف ساهمت اسرائيل في تأجيج النزاع بين روسيا وجورجيا؟
الياس حرفوش واشنطن والعضلات الروسية
دواعي الحرب الروسية - الجورجية في أوسيتيا الجنوبية توفيق المديني
اندلعت الحرب بين جورجيا وروسيا باشتعال شرارتها الأولى من خلال المعارك العنيفة التي دارت رحاها ليل الخميس/الجمعة 8 أغسطس الجاري، بين الجيش الجورجي وقوات الدفاع الذاتي في أوسيتيا الجنوبية التي أعلنت انفصالها عن جورجيا اثر انهيار الاتحاد السوفييتي، الأمر الذي لم تتقبله تبليسي. وقد أعلنت تبيليسي أن قواتها قداستعادت السيطرة على الإقليم إثر هجوم خاطف، مما أدى إلى تدخل فوري من موسكو التي دفعت أرتالاً من الدبابات في محاولة لاستعادة محميتها القوقازية. وأعلن رئيس أوسيتيا الجنوبية ادوارد كوكوني مقتل 1400 شخص من سكانها في الهجوم الجورجي. لقد تصاعدت وتيرة المواجهات العسكرية بين الطرفين لتصل إلى عاصمة الإقليم تسخينفالي حيث قصفت قوات جورجية تدعمها طائرات حربية قوات انفصالية بالقرب من عاصمة أوسيتيا الجنوبية، وذلك بعد ساعات من شن الجورجيين هجوماً على الإقليم الانفصالي، ما دفع سلاحي الجو والدبابات الروسيين، إلى التدخل لوقف الهجوم الجورجي على سكان أوسيتيا الجنوبية الذين يحمل معظمهم الجنسية الروسية، إضافة الى جنسيتهم الجورجية. وبالمقابل سارع الرئيس الجورجي ميخائيل ساكاشفيلي إلى إدانة غارات شنها الطيران الروسي على مواقع القوات الجورجية في الإقليم، مناشداً الحلفاء في الغرب التدخل لوقف ما سماه «الاعتداء الوحشي» الروسي على بلاده، ومعاقبة موسكو.
في مقابلة مع شبكة «سي. أن. أن» التلفزيونية الأميركية، قال الرئيس الجورجي ميخائيل ساكاشفيلي إن «العالم أجمع سيواجه مشاكل» إذا لم تعاقب روسيا على هجومها العسكري على جورجيا. وأضاف ساكاشفيلي إن «روسيا تخوض حرباً ضدنا على أراضينا، ونحن في وضع دفاع عن النفس ضد جار كبير وقوي». وقارن دخول الدبابات الروسية الى جورجيا بدخول القوات السوفييتية الى أفغانستان العام 1979 ودخول قوات حلف وارسو الى تشيكوسلوفاكيا السابقة في العام 1968. يذكر انه من المعروف أن نقاط التوتر في هذه الجمهورية الانفصالية: أوسيتيا الجنوبية، بارزة للعيان، من جراء احتكاك قواتها يومياً بالقوات الجورجية، إضافة إلى الاستجوابات المتلاحقة التي يواجهها أي شخص في نقاط المراقبة الجورجية والأوسيتية الجنوبية عندما يغادر عاصمة أوسيتيا الجنوبية «تسخينفالي» الأمر الذي يزيد في مضاعفة وقوع الحوادث والانفجارات العسكرية، بسبب الأجواء العدائية القائمة بين الطرفين.
وكانت أوسيتيا الجنوبية التي يقيم فيها سبعون ألف شخص، غالبيتهم من أصل روسي يتوقون إلى الالتحام مع إخوانهم في أوسيتيا الشمالية الملحقة بالاتحاد الروسي، وقد أعلنت من جانب واحد جمهورية مستقلة منذ خمس عشرة سنةٍ، ولم تتمكّن من الحصول على اعتراف «المجتمع الدولي»، إذ ظلت الدول الغربية، على العكس من ذلك، تتمسّك بضرورة العودة إلى وحدة الأراضي الجورجية. وتطمح أوسيتيا إلى الانضمام إلى الاتحاد الروسي إلى جانب أوسيتيا الشمالية.. وتدعم روسيا الانفصاليين الذين يسيطرون على المنطقة منذ اندلاع حرب هناك في أوائل التسعينات من القرن العشرين.
وقد يتساءل المحللون الغربيون لماذا اندلعت الحرب الآن؟ من وجهة نظر الذين يطالبون باستقلال «أوسيتيا» الجنوبية عن جورجيا، ربما أرادوا استدراج الجورجيين إلى هذه الحرب ليسلطوا الضوء على قضيتهم، إسوة بإقليم كوسوفو الذي أعلن استقلاقه في بداية هذه السنة عن جمهورية صربيا. أما من جانب جورجيا، فإن المحللين يعتقدون أنها سواء كانت هي البادئة بالحرب أم المستدرجة إليها، فإن جورجيا تستند في «اللعب مع الدب الروسي» إلى تقدير أهميتها في حسابات الغرب، الولايات المتحدة، بعدما انخرطت بحماسة كلية في المشاريع الأميركية ،ولاسيما الحرب على الإرهاب، والحرب في العراق، حيث تشارك جورجيا بألفي جندي لتكون ثالث أكبر قوة هناك بعد الولايات المتحدة وبريطانيا. لكن هذه «الأهمية» قد تزعزعت مؤخرا عندما صد «حلف شمالي الاطلسي» (الناتو) جورجيا وحرمها حتى «خارطة طريق» إلى عضويته التي تراها صمام أمان لها في مواجهة روسيا. وكان ملفتا إعلان جورجيا نيتها سحب ألف من جنودها في العراق، ما يمكن تفسيره ضغطاً على الحليف الأميركي لدعمها، حسب ما أوردته (صحيفة الحياة بتاريخ 9/8/2008).
وكانت روسيا ولا تزال، متخوفة تجاه توسع الحلف الأطلسي شرقا، وعلى الحدود المتاخمة لروسيا. وأكثر من أي وقت سبق، يزداد القلق الروسي من توسع الحلف الأطلسي، المنظور إليه كمحاولة لتطبيق استراتيجية التطويق والمحاصرة. فقد قال الرئيس السابق بوتين في اجتماع مجلس روسيا/الأطلسي الذي عقد في 4 أبريل الماضي : «إن ظهور كتلة عسكرية قوية على حدودنا حيث أن عملياتها تحددها المادة الخامسة من معاهدة واشنطن لعام 1949 حول التضامن الدفاعي بين الدول الأعضاء، يشكل تهديداً لأمننا القومي». وقد طبقت الولايات المتحدة الأميركية هذه المادة في حرب أفغانستان التي شكلت إذلالاً حقيقيا لـ«الحلفاء الأطلسيين». وعلى الرغم من فشل قمة حلف الأطلسي التي عقدت في العاصمة الرومانية بوخارست في الربيع الماضي، في تأييد الإلحاح الأميركي بالتجهيز لانضمام جورجيا إلى الحلف الأطلسي، ستستمر أميركا في دعوتها لضمان تمدد التحالف الأطلسي إلى حدود روسيا ذاتها. وتعترض روسيا الآن حين يدعو الرئيس الأميركي جورج بوش إلى تمهيد الطريق لضم جورجيا وأوكرانيا إلى هذا التحالف الذي أصبح أكبر حلف عسكري في التاريخ. فالأمر قد بات واضحاً بالنسبة إلى الكرملين. إنّ الخيار الأوكراني والجيورجي هو خيار نفوذ، وهو مناورة دبلوماسية لتطويق روسيا التي تعتبر أن الشقّ المركّز على الخطر الإيراني هو مجرّد ذريعة.
إن وجود القوات العسكرية الأميركية في قلب الاتحاد السوفييتي السابق قد نزع الأهمية عن القرار الذي اتخذه حلف الأطلسي في قمة بوخاريست بتأجيل انضمام أوكرانيا وجيورجيا العضوين السابقين في حلف وارسو البائد. ولكن مع ظهور الأزمة في أوكرانيا وجورجيا، فقد اضطرّت روسيا إلى مواجهة الضغط مع الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي في الوقت نفسه. هكذا أصبح الصراع الأميركي الروسي على جورجيا على أشده، لما تمثله هذه الجمهورية من أهمية استراتيجية، بوصفها نقطة الالتقاء بين حلف شمال الاطلسي وروسيا، فضلا عن عامل النفط، على الرغم من أن جورجيا لا تملك منه الكثير، لكنها تشكل طريقا لعبوره من حقول النفط الغنية لبحر قزوين إلى الأسواق الدولية.
وقد عادت الصراعات الإثنية-المناطقية، التي انتشرت في البلاد منذ بداية التسعينيات، لتحتلّ من جديد الصفحات الأولى في الجرائد. وبعدما غابت مسألة الجمهوريات الانشقاقية، أبخازيا وأوسيتيا الجنوبية، عن الجدال السياسي خلال الثورة، عادت مسألة وحدة الأراضي الجورجية ضمن الأولويّات فور انتهائها. ففي أيار/مايو 2004، نجحت أول محاولة لإعادة أدجاريا (أجارستان)_ وهي منطقة ساحلية غنيّة مطلّة على البحر الأسود بالقرب من الحدود التركية_ إلى حضن الدولة. وها هي جورجيا تكرر المحاولة عينها من خلال هذه الحرب مع روسيا لكي تضم أوسيتيا هذه الجمهورية الانفصالية إلى البلد الأم، مدعومة في ذلك من الغرب.
و يرى المحللون أن الدعم الكبير الذي تقدمه روسيا للجمهوريتين الانفصاليتين في أبخازيا وأوسيتيا الجنوبية، هو ناجم بالفعل من عملية تسريع انضمام جورجيا إلى الحلف الأطلسي، ودعوتها موسكو إلى المفاوضات لإغلاق القواعد العسكرية الروسية من باتومي (من منطقة أدجاري الجورجية) ومن «أخالكالاكي» (منطقة دجافاخيتي الجورجية)، مع ما مجموعه 2500 عسكري، وإخلائها إخلاءً تاماً في نهاية العام 2008. كاتب من تونس (المصدر: صحيفة أوان (يومية كويتية)بتاريخ 10 أوت 2008)
*********
كيف ساهمت اسرائيل في تأجيج النزاع بين روسيا وجورجيا؟ سليم نصّار
من الذي بدأ الحرب في جورجيا؟ أثناء العتاب الحاد الذي دار بين الرئيس الأميركي جورج بوش ورئيس وزراء روسيا فلاديمير بوتين على هامش احتفالات الألعاب الأولمبية، ألقى كل واحد منهما مسؤولية تفجير النزاع على الآخر. ذلك أن بوتين طالب الرئيس الأميركي بضرورة حمل الرئيس الجورجي ساكاشفيلي على سحب قواته من أوسيتيا الجنوبية، في حين دعاه بوش الى سحب الدبابات الروسية من حول العاصمة تبليسي. مساعد قائد القوات البرية الروسية الجنرال ايغور كونوشينكوف، ادعى عبر
قناة «روسيا اليوم»، أن الدبابات الجورجية اقتحمت الحدود ووجهت نيرانها
الى مواقع قوات حفظ السلام الروسية. وزعم أيضاً أن الرئيس الجورجي
اختار هذا الموعد على اعتبار أن افتتاح دورة الألعاب الأولمبية ستحول اهتمام
زعماء العالم عن عملية ضم أوسيتيا الجنوبية. وهي عملية سبق للرئيس
ميخائيل ساكاشفيلي أن خاض الانتخابات على أساسها، متعهداً باسترجاع
الاقليم الانفصالي. وربما راهن على ضعف الرئيس الروسي الجديد ديمتري
ميدفيديف، وعلى مخاوف بوتين من جرّ موسكو الى حرب استنزاف شبيهة
بحرب افغانستان 1979. ويبدو أن كل هذه الحسابات كانت خاطئة، لأن أهمية أوسيتيا الجنوبية لا تكمن
في انتساب سكانها البالغ عددهم 70 ألفاً الى أصول روسية... بل الى أهمية
خط (باكو - تبليسي - جيهان) الذي يضخ مليون برميل يومياً باتجاه أوروبا
والولايات المتحدة. وبما أن المنافسة مع الغرب - كما يتصورها بوتين - لم تعد
خاضعة للقوة العسكرية قدر خضوعها للقوة الاقتصادية - الصناعية، فإن
التحكم بهذا الشريان الحيوي يفقد النظام أمضى أسلحته. لهذا السبب وسواه
ترى موسكو أن الأنظمة التابعة لتوجه واشنطن يمكن أن تساهم في تضييق
الحصار عليها. لذلك طالبت بتنحي الرئيس ساكاشفيلي واختيار بديل محايد.
وردّ الرئيس الجورجي على هذا الاقتراح بالدعوة الى تظاهرة تأييد جمعت أكثر
من مئتي ألف مواطن ومواطنة في الساحة العامة. وكرر أمامهم ما يردده دائماً
على شاشات الفضائيات الأجنبية من أنه يحارب من أجل المُثل التي تعلمها في
الغرب كالديموقراطية والعدالة، مذكراً بأن حكم بوتين هو نسخة متطورة عن
حكم ستالين وبيريا. ويتعرض الرئيس الجورجي حالياً لحملة تشويش وتشويه من قبل موسكو
ركزت على تاريخه السياسي، وعلى خيانته لراعيه الرئيس السابق ادوارد
شيفردنادزه. ذلك أنه لعب دور المحرض ضد الرئيس الذي أطلقه واختاره
وزيراً للعدل. ولكنه سرعان ما انقلب عليه في «الثورة الوردية» سنة 2003
التي حملته الى الرئاسة. وبدلاً من أن يحترم حقوق المعارضة التي خرج منها،
فقد أصدر سلسلة قرارات تمنع التظاهرات حتى لو كانت من قبيل الدعوة الى
تخفيض اسعار الغذاء والدواء. من الأخطاء المميتة التي ارتكبها الرئيس ساكاشفيلي، كان الموافقة على انتشار
قوات أميركية على حدود بلاده مع روسيا بصفة مدربين للجيش المحلي. ومن
ثم شجع على إنشاء ناد دولي باسم (غوام Guam) يضم جورجيا واوكرانيا
واذربيجان ومولدوفيا. وكانت مهمة هذا النادي منع انتشار نفوذ روسيا في
القوقاز والبلقان، وربط مصير هذه الدول بالحلف الأطلسي. وقد انتقده بوتين
بشدة على هذا التهور، معتبراً أن طموحه للانضمام الى عضوية الحلف،
سيجره الى مغامرات دامية. وبما أن ورطة الولايات المتحدة في العراق
وافغانستان، سترغمها على الإحجام عن فتح جبهة ثالثة في جورجيا، لذلك عهد
بوش الى ساركوزي مهمة استرضاء روسيا بأي ثمن، خصوصاً أنه يحتاجها
من أجل لجم نفوذ إيران ومنعها من تطوير تكنولوجيا صنع قنبلة نووية. نيكولا ساركوزي استخدم دوره كرئيس دوري للاتحاد الأوروبي، وسافر الى
تبليسي في محاولة لايجاد مخرج لهذه الأزمة. وحمل الى المعنيين خطة
أوروبية - أميركية تتألف من 3 نقاط: 1- وقف الاشتباكات فوراً، 2- العودة
الى الوضع القائم قبل اندلاع النزاع، 3- احترام وحدة أراضي جورجيا. خلال تظاهرة الدعم للرئيس الجورجي، تحدث رئيس بولندا السابق عن مأساة
«سودا تنلاند»، وحذر من سقوط الغرب مرة ثانية في الفخ الذي يستخدمه
بوتين لتبرير أهداف ستالين. أي الأهداف التي طبقها هتلر من قبلهما عندما هدد
تشيكوسلوفاكيا بضرورة التنازل عن اقليم «سودا تنلاند» لأنه يضم جالية
ألمانية. وأرسلت فرنسا رئيس وزرائها «دالاديه» إلى ميونيخ، وكذلك فعلت
بريطانيا التي كلفت تشمبرلن بالسفر أيضاً (ايلول/ سبتمبر 1938) من اجل
حل تلك الأزمة. ووعد الفرنسيون والبريطانيون هتلر باسترجاع الاقليم إلى
سيادة المانيا من دون استشارة تشيكوسلوفاكيا، شرط أن يكف عن المطالبة
بأجزاء أخرى. وتعهد هتلر بذلك بعدما استدعى صديقه الدوتشي موسوليني
ليكون شاهداً على الاتفاق. ولكنه نقض تعهده في آذار (مارس) 1939،
واحتل كل تشيكوسلوفاكيا عقب استرجاع الاقليم. يستبعد المراقبون أن يكون في نية بوتين احتلال جورجيا، ولكنهم لا يستبعدون
ضم اقليمي اوسيتيا الجنوبية وابخازيا بعد إعلان دولة كوسوفو. وقد وصف
الرئيس الروسي تلك الخطوة بأنها «غير أخلاقية وغير شرعية»، لأن الأمم
المتحدة والدول الغربية تجاهلت اعتراضه ومنحت ألبان كوسوفو الاستقلال
التام عن صربيا. وهذا ما يفسر في الماضي إطاحة سلوبودان ميلوسيفيتش
وتقديمه إلى المحكمة الدولية، كما يفسر ضراوة حملة التفتيش التي انتهت
الشهر الماضي باعتقال «جزار سراييفو» رادوفان كراديتش. في مقال نشره وزير خارجية روسيا سيرجي لافروف في صحيفة «غلوبا
لنوي بوليتيكي»، طالب فيه الدول الكبرى بضرورة ارساء مناخ جديد من الثقة
في المنطقة الأورو - أطلسية يسهم في الرقابة على التسلح. ودعا إلى الكف
عن السير في مشروعات خلافية مثل إعلان استقلال كوسوفو من جانب واحد،
ونشر نظام الدرع الصاروخية الأميركية في أوروبا الشرقية، وتوسيع حلف
الناتو شرقاً. ويرى المراقبون أن هذا الموضوع الخطير يشكل سبباً أساسياً بين الأسباب
التي دفعت موسكو إلى افتعال نزاع عسكري في القوقاز. وسبق للسفير
الروسي في مينسك الكسندر سوريكوف، أن حذر واشنطن من مخاطر نشر
قواعد الدرع الصاروخية في بولندا وأوكرانيا وتشيخيا وجورجيا. وحجته أن
هذا العمل يمثل تهديداً مباشراً لأمن روسيا القومي، الأمر الذي قد يضطر بلاده
إلى نشر صواريخ «الكسندر» في بيلاروسيا، وفي ردها على هذا التحدي،
ادعت إدارة جورج بوش أن الهدف من وراء نصب الدرع الصاروخية في
شرق أوروبا يرمي الى تهديد ايران وليس روسيا. ولكن هذا الادعاء لم يخدع
المفاوض الروسي الذي ربط عملية الانسحاب النهائي من جورجيا بضرورة
ابعاد مشروع الدرع الصاروخية عن أرضها، وإلا فإن أوسيتيا الجنوبية
وابخازيا ستتحولان الى قاعدتين عسكريتين روسيتين! بقي السؤال المتعلق بالدور الاسرائيلي، خصوصاً أن وزير خارجية روسيا
سيرجي لافروف، ألقى بجزء كبير من المسؤولية على الدولة العبرية. ووصفها
بأنها المصدّر الأساسي للصواريخ وطائرات الاستكشاف والقنابل المحظورة
الاستعمال، اضافة الى تدريب الوحدات الخاصة. وكتبت في هذا السياق،
صحيفة «يديعوت أحرونوت» تقول إن وزير الدفاع الجورجي ديفيد
كيزرشفيلي درس في اسرائيل، ثم وظف هذه العلاقة لتسليح بلاده بأموال
أميركية. وذكرت جريدة «هآرتس» أيضاً أن العميد جيل ريش واللواء يورام
يئير وضباطاً آخرين من سلاح البحرية والبر، أشرفوا على تنظيم أجهزة
الاستخبارات والمقاومة العسكرية. وقد عهدت وزارة الدفاع الجورجية الى
العميد جيل ريش الذي تولى قيادة فرقة الجليل خلال حرب صيف 2006،
بتدريب الجيش وإعداده لمواجهة أعمال العنف. أثناء زيارة الرئيس شمعون بيريز لموسكو، لمح رئيس الوزراء بوتين الى
كميات الأسلحة التي ترسلها اسرائيل الى جورجيا. ويبدو أن هذا الموضوع قد
أثير عندما طلب بيريز من بوتين وقف تأييده لايران والتوقف عن دعمها في
مجلس الأمن. ويخشى الرئيس الفرنسي ساركوزي من استغلال اسرائيل
لعملية اجتياح جورجيا، كي تسدد ضربة سريعة لايران بمساندة الولايات
المتحدة. والملاحظ أن نبرة الرئيس بوش خلال اليومين الأخيرين قد اختلفت
حدتها عندما بلغته أنباء المعارك والقتلى والجرحى وعمليات التهجير. وبعد أن
هدد بمعاقبة روسيا، أرسل وزيرة خارجيته كوندوليزا رايس، الى باريس في
مهمة انتقامية عاجلة. وهي مهمة قد تحيي مناخات الحرب الباردة إذا ما
رفضت القوات الروسية الانسحاب من تبليسي، خصوصاً أن أجواء التوتر
ساعدت مرشح الجمهوريين جون ماكين على رفع شعبيته أمام منافسه
الديموقراطي باراك أوباما. وسط هذه الأجواء السياسية والأمنية الملبدة، سعت عناصر «حزب العمال
الكردستاني» للاستفادة من التطورات الأخيرة عن طريق تفجير خط نفط باكو
- جيحان الذي يمر في الأراضي التركية، وبما أن العملية السابقة قرب مدينة
«أرضروم»، قد أفادت الحزب في حربه الإعلامية، فإن اصراره على ضرب
هذا الخط الحيوي قد يساعده على ايجاد ترضية مقبولة إذا ما حاولت الدول
الكبرى حل النزاع العسكري في القوقاز. عندما سئل الوزير الروسي لافروف عن منطق الحوار الذي يرد به على
اتهامات رايس من أن بلاده أحيت مناخات الحرب الباردة، قال: «إن المرحلة
الجديدة قوضت الدور الأميركي جراء ظهور مراكز قوى أخرى، ومثل هذا
التشتت في القوى يستدعي بروز زعامة جماعية تتألف من نواة الدول الكبرى
الأساسية، في ظل هذا التغيير تبقى روسيا مساهماً كبيراً في السياسة الدولية
والاقتصاد والمال بعدما استردت موقعها في الأسواق المالية». وقد تكون أحداث جورجيا هي المقدمة لإعادة تشكيل العالم، وإرساء الأسس
لبناء عمارة دولية جديدة تحتل فيها روسيا والصين «الشقق» التي أخلاها
الاتحاد السوفياتي سنة 1991.
* كاتب وصحافي لبناني (المصدر: صحيفة "الحياة" (يومية – لندن) الصادرة يوم 16 أوت
2008) **************************** واشنطن والعضلات الروسية الياس حرفوش «لا أرى أي احتمال لاستخدام القوة العسكرية من جانب الولايات المتحدة في
هذه القضية. هل هذا واضح بما فيه الكفاية؟» بهذا «الوضوح» علق وزير
الدفاع الاميركي روبرت غيتس على الأسئلة المتعلقة بفرص المواجهة المسلحة
بين روسيا وبلاده بسبب قضية جورجيا. وزيادة في الايضاح أكد الرئيس
جورج بوش ان الولايات المتحدة تريد ان تربطها علاقات طيبة مع روسيا وأن
لا تعود الى عصر الحرب الباردة، مع انه أعلن عن موقفه هذا في الوقت الذي
كان يتهم روسيا «بالترهيب» وبالاضرار بوضعها الدولي بسبب تدخلها
العسكري في جورجيا. تعليق الوزير غيتس أثار استغراب العواصم الغربية التي اعتبرته بمثابة دعوة
لقادة موسكو، وربما لغيرهم، لأخذ راحتهم في المناطق التي تطالها مدفعيتهم،
من دون خوف من أي رد عسكري اميركي. لكن موقف غيتس يمثل تعبيراً
واقعياً عن نظرة ادارة بوش الى هذا النزاع وطريقة تعاطيها معه، آخذة في
اعتبارها مواقع النزاعات الأخرى التي تفوق في اهميتها الاستراتيجية، الاهمية
التي تعلّقها واشنطن على النزاع حول اقليم في منطقة القوقاز كان يحتاج، قبل
اسبوع، الى خريطة مفصّلة للعالم للبحث عن موقعه. لقد شكل الدور الاميركي في الأزمة الجورجية الأخيرة نموذجاً لما تستطيع
الولايات المتحدة أن تفعله عندما يتعين عليها أن تأخذ في اعتبارها ارضاء
حلفائها، أو من هم محسوبون عليها، ومراعاة مصالح منافسيها في الوقت ذاته،
طالما انها بحاجة اليهم. لقد احتاجت وزيرة الخارجية في ادارة الرئيس بوش
الى اسبوع كامل لتصل الى تبليسي لتفقد أحوال حليفها ميخائيل ساكاشفيلي،
اسبوع كان كافياً لمنح القادة الروس الوقت اللازم لتأديب رئيس جورجيا
واستعادة كل من اوسيتيا الجنوبية وابخازيا الى الوضع الاستراتيجي الذي
طالما ارادته موسكو، أي وضع الاقليمين المنفصلين بالكامل عن جورجيا،
والمؤهلين للانضمام من جديد الى الاتحاد الروسي. وللتأكيد على دور الطرف
«المراقب» الذي تلعبه واشنطن، حملت رايس معها ورقة الاتفاق الذي توصل
اليه الرئيس الفرنسي ساركوزي مع طرفي النزاع، وهي تسوية تمثل حلاً
وسطاً بين الطرفين، وعملت على الضغط على ساكاشفيلي لإقناعه بتوقيعها.
اما الدور الثاني الذي لعبته إدارة بوش فكان دور المنظمة الانسانية التي تسرع
في ارسال المؤن الغذائية والحاجات الطبية الى المناطق المنكوبة، لكنها آتية
هذه المرة على متن طائرات حربية اميركية. تراقب واشنطن أزمة القوقاز وعينها على أزمات دولية اكثر حدة واهمية
بالنسبة الى مصالحها، وابرزها بالطبع الأزمة مع ايران. وفي وضع من هذا
النوع يصعب تصور امكان مغامرة واشنطن بخسارة الدعم الروسي لقرارات
العقوبات في مجلس الأمن، لإرضاء الخطوة العسكرية المتهورة التي اقدم
عليها رئيس جورجيا، والتي كان الاميركيون انفسهم قد تعهدوا للكرملين بأن
حليفهم لن يقدم عليها. من هذا المنطلق يمكن تصور مدى القلق الاميركي من
اقدام ساكاشفيلي على تحويل انظار العالم عن ازمة باتت مصدر قلق اقتصادي
وامني كبير في منطقة الخليج والشرق الاوسط عموماً، هي الأزمة الايرانية،
لخدمة قضية تعتبر محلية بكل المقاييس، ولا يؤثر مصيرها على التوازنات
الدولية. ليس هذا فقط بل ان المأزق الذي أوقع ساكاشفيلي نفسه فيه، ومعه
القوى الغربية، سمح لموسكو بعرض عضلاتها العسكرية من جديد في منطقة
لم تكن هناك حاجة لعرض عضلات فيها، لأن أحداً لم يكن مستعداً للدخول في
مواجهة مع موسكو حولها. (المصدر: صحيفة "الحياة" (يومية – لندن) الصادرة يوم 16 أوت 2008) *******************
الحرب الجورجية - الروسية.. من المعتدي؟ منير شفيق
بعد اليوم الأول لاندلاع الحرب بين جورجيا وروسيا، غاب عن الإعلام
الأميركي والأوروبي، ومن ثَم الكثير من الإعلام العربي التابع تقليدياً، أن
جورجيا هي المعتدية, وأنها هي التي بادرت بالحرب, وهي التي احتلت أجزاء
كبيرة من أوسيتيا الجنوبية. وقد حل محل ذلك العمليات العسكرية الروسية التي أخذ يُظهرها ذلك الإعلام
كأنها المعتدية, وأصبحت جورجيا تقدم على شكل الضحية المظلومة, أو
المعرضة أراضيها للغزو الروسي. صحيح أن الرد الروسي العسكري كان سريعاً وحاسماً, وقد راح الجيش
الجورجي يستنجد بحلف شمال الأطلسي وهو يتقهقر أمام القوات الروسية,
ليس في أوسيتيا فحسب، وإنما أيضاً أمام قوات أبخازيا التي تشارك أوسيتيا
المصير نفسه, والوضع السياسي ذاته. بدهي أن تقهقر الجيش الجورجي لا يحوله إلى ضحية، ولا يجب أن ينزع عنه
صفة المعتدي الذي كان البادئ «والبادئ أظلم»، والأهم أن الرئيس ميخائيل
ساكاشفيلي ما كان ليأخذ قرار الحرب ويبادر بها لولا التنسيق مع إدارة بوش
وتحريضها له، فهو يعلم في الأصل أن روسيا لن تسكت, وأنها عادت ذات
مخالب وأنياب عسكرية، ليس على مستوى حرب صغيرة بمستوى حرب
أوسيتيا الجنوبية فحسب، وإنما أيضاً على مستوى دولة كبرى ورثت عن
الاتحاد السوفيتي ترسانته النووية والصاروخية, وخرجت من حالة التفكك
والتحلل والانهيار لعهد بوريس يلتسين. من ردود فعل إدارة بوش على الرد الروسي حجماً وحسماً حتى الآن، يبدو أن
المخططين لهذه الحرب لم يكونوا يتوقعون مثل هذا الرد، وقد اعتبروه مفاجأة
لهم، لماذا وكيف؟ لا أحد يستطيع أن يعطي جواباً شافيا، لأن استعادة روسيا
قوة دولتها وجيشها وقدراتها العسكرية لم تكن سراً، إلا أن ما ظهر منها كان
أكثر بكثير مما استخدم في ذلك الرد، ولأن رئيسها السابق فلاديمير بوتين ومن
بعده رئيسها الحالي ديمتري ميدفيديف أعلنا بحزم ووضوح أن روسيا يجب أن
تُعامل باعتبارها دولة كبرى يمكنها أن «تقرع القنا بالقنا» كما يقول العرب،
فأي عذر يبقى لكل من كان وراء حرب جورجيا على أوسيتيا إذا قال إنه فوجئ
بالرد العسكري الروسي أو حتى بحجمه؟ لكن الحقيقة أنهم فوجئوا فعلاً، وارتبكوا، وراحوا يحركون الوساطة الفرنسية
بصفتها رئيسة الاتحاد الأوروبي لوقف الحرب وعودة الأمور إلى ما كانت
عليه في السادس من أغسطس قبل اندلاعها، وكان لا مفر من أن يخرج الاتفاق
الروسي-الفرنسي عاكساً ميزان القوى الجديد على الأرض، ومن ثم ملبياً
للشروط الروسية، ووجد الرئيس الجورجي ساكاشيفلي نفسه في ورطة، وقد خذله عملياً جورج
دبليو بوش الذي حرضه ودفعه إلى شن الحرب، وبالطبع لا يكفي لنصرته أن
ينقل الأسطول الجوى الأميركي القوات الجورجية في العراق, فهذه لا تغير من
ميزان المعركة في الميدان شيئاً، ولا يكفي أن تطلب أميركا من روسيا فتح
ممرات للمساعدات الإنسانية لجورجيا, ثم لا يكفي أن تشهّر إعلامياً بروسيا،
فيما روسيا «أودت بالإبل». وروسيا من جهتها كانت ذكية في عدم التورط بإدخال جيشها إلى الأراضي
الجورجية, وفي قبول الوساطة الفرنسية, وإعلان وقف إطلاق النار، فهي
ليست بحاجة إلى أن تفعل أكثر مما فعلت وأكثر مما حدث في أبخازيا، سواء
أكان على مستوى الإقليمين (أوسيتيا الجنوبية وأبخازيا)، أم على مستوى
المواجهة عملياً مع أميركا التي استمرت تعمل من وراء ساكاشفيلي، أم على
مستوى أوروبي وعالمي. لقد ارتكب مخططو الحرب خطأ البدء فيها وتحمل مسؤولية اندلاعها, مما ترك
لروسيا كل العذر لترد بقوة، وأن تُظهر بعد غياب طويل هيبتها وقدرتها
العسكرية، الأمر الذي يفرض به أن يدخل العلاقات الأميركية-الروسية
والأوروبية-الروسية مرحلة جديدة.. روسيا بوتين وميدفيديف دولة ند وشريك
في أوروبا وفي الحياة الدولية، ومن ثم بناء تفاهم وتعاون جديدين على هذا
الأساس، وإما البدء بمرحلة جديدة من التأزيم والكيد, والضرب تحت الحزام,
بما يشبه -دون تكرار- ملامح الحرب الباردة، وقد يكون من خيارات هذا البديل
تمديد أمد المواجهة العسكرية الجورجية-الروسية لتتحول إلى حرب استنزاف. لكن حربا من هذا الطراز خطرة للغاية في القارة الأوروبية، وهذا يفسر لماذا
لم يلعب أحد المعسكرين (وارسو والناتو) في النار الأوروبية طوال الحرب
الباردة، طبعاً النتائج العسكرية لهذه الحرب -كما تجلت حتى الآن- ومن ثم النتائج
السياسية المترتبة عليها عسيرة الابتلاع والهضم على أميركا أولا، ثم على
أوروبا في مستوى أدنى ثانياً, وهذه لا تقل صعوبة عن فتح جبهة عسكرية ضد
روسيا على الأرض الأوروبية. وبهذا تكون إدارة بوش التي حاولت أن تهرب من حرب لم تقرر بعد ضد
إيران, ومن اتفاق تسوية بين أولمرت وعباس ما زال مرتطما بموضوع القدس
القديمة, إلى فتح جبهة ضد روسيا عساها تنتج في خدمة الانتخابات الأميركية
القادمة، فإدارة بوش في حرج شديد, بسبب إخفاقها أمام الحزب الجمهوري,
ولعل هذا السبب في فتح معركة ضد روسيا أخطأت في حساب نتائجها, وفي
كيفية الخروج منها، على أن البعد المستقبلي لهذه الحرب, خلال سنة من الآن
لاسيما بعد الانتخابات الأميركية وبغض النظر من الفائز فيها, يتمثل في حتمية
تغيير الاستراتيجيات الدولية, ابتداء من الاستراتيجية الأميركية, عما كانت
عليه خلال سبع السنوات الماضية. كاتب أردني (المصدر: جريدة العرب (يومية – قطر) بتاريخ 18 أوت 2008) |