tunisie
nahdha_tunis logonahdha
البدايــة > أخبــار الموقع
جمال باروت : ابن باديس وأتاتورك
الثلاثاء, 19. أوت 2008
يبدو أن الصراع الاستقطابي الحاد الذي دار ما بين الإصلاحيين الإسلاميين  والقوميين العلمانيين (الليبراليين) في مصر خلال العشرية الثانية من القرن العشرين نتيجة فصل الجمعية الوطنية التركية بين الخلافة والسلطنة نوفمبر1922

، وشرعنة ذلك إسلامياً ببيانٍ فقهي إسلامي نعتبره من أقوى

وثائق حركة الإصلاح الإسلامي حمل عنوان: «الخلافة وسلطة الأمة»، هو

المسؤول بدرجةٍ أساسيةٍ عن تكوين الصورة «الإسلامية» المشوّهة لمصطفى

كمال (أتاتورك) أكثر مما كان مصطفى كمال مسؤولاً عنها.
لم يبتدع الفقهاء الأتراك الذين صاغوا هذا البيان صيغة الفصل بين الخلافة

والسلطنة بقدر ما أعادوا في ضوء منظور الإصلاحية الإسلامية بلورتها

وبناءها كما وقعت في التاريخ الإسلامي فقهاً وواقعاً وتاريخاً ومصلحة، كي

يسبغوا الشرعية على قرار الجمعية الوطنية التاريخي بعزل السلطان، الخليفة

وحيد الدين الذي بات «أسيراً» في «قبضة الإنجليز» المحتلين، وإلغاء منصب

«السلطان» وتحويل سلطاته إلى الأمة ممثلة بالجمعية الوطنية (المنتخبة)،

واعتبار منصب الخلافة «روحياً».
في هذا السياق كتب الشيخ رشيد رضا أكبر تلامذة «الأستاذ الإمام» محمد

عبده، وصاحب «المنار» ورئيس المؤتمر الوطني السوري في عام 1919،

الذي كان يعادل الجمعية الوطنية التركية، كتابه الشهير «الخلافة أو الإمامة

العظمى» (1923) للرد على الفصل بين الخلافة والسلطنة. لكن أتاتورك كان

قد سار بهذه الخطوة إلى نهايتها القصوى، وهو إلغاء منصب «الخلافة» (13

مارس 1924).
كان أتاتورك حين اتخذ هذا القرار قد تمكن في عام 1923 من تحطيم اتفاقية

سيفر التي كان من شأن تطبيقها «جعل تركيا أثراً بعد عين»، وأرغم الحلفاء

على الاعتراف بالميثاق القومي التركي، وأوقد في ذلك جذوة العالم الإسلامي

بولادة قيادة إسلامية جديدة له، ونُظر إليه «كخالد الترك الذي يجدد خالد

العرب». ولم يكن يعلن في إلغاء منصب الخلافة سوى ما هو قائم بالفعل. وفي

هذا السياق أصدر الشيخ الأزهري علي عبدالرازق، عضو «هيئة كبار

العلماء»، كتابه الشهير «الإسلام وأصول الحكم»، ثم تلاه كتاب طه حسين

المدوي «في الشعر الجاهلي» (1926). واحتدمت معركة «الخلافة» التي

أدارها البريطانيون، ولم تتمخض عن تنصيب خليفة جديد لكنها تمخضت عن

تشكيل النواة الأولى لجماعة الإخوان المسلمين.
يبدأ هنا تاريخ معقد آخر، لكن ما يهمنا منه هو محاولة «تسويد» صفحة

أتاتورك، والتي طغت على طريقة تقديم مؤرخي وأصحاب الرأي في الحركة

الإسلامية لمصطفى كمال وحيثيات إلغائه للخلافة لاحقاً وربما حتى الآن.

وتحضر في هذه الطريقة صورة كاذبة مشوهة غير حقيقية بالمرة لأتاتورك

تجعل منه «متآمراً» بالتعاون مع الأجنبي للقضاء على الخلافة، وهو الذي حطم

«الأجنبي» و «أذله»، وحقق وحدة بلاده واستقلالها.
من حاول أن يكسر هذه الصورة لم يكن سوى الشيخ العظيم عبدالحميد بن

باديس الذي كان قد أسس عام 1830 جمعية العلماء المسلمين في الجزائر

عشية احتفال فرنسا بمرور مائة عام على احتلال الجزائر. تحول ابن باديس

إلى «أبو الأمة» و «النهضة» في الجزائر. اصطدم بـ «الطرقيين» على غرار

اصطدام قادة حركة الإصلاح الإسلامي في المشرق والمغرب بهم. كان نفسه

في عداد هؤلاء القادة، ولكن في شروط احتلال الجزائر ومحاولة «فرْنستها».

وجمع ابن باديس بين روح محمد عبده الإصلاحية ولاهوتية التحرير الأفغانية.

ولا ريب أنه من أعظم ممثلي لاهوتيي التحرير في الوطن العربي في القرن

العشرين.
حين توفي أتاتورك عام 1938، كان ابن باديس الشخصية الإسلامية المؤثرة

الوحيدة التي أعادت الاعتبار إليه. وهذا شيء لا يحب لا الإسلاميون

الجزائريون ولا المشارقة ومن هم في عداد مؤرخيهم أن يستذكروه أو يتوقفوا

عنده. سدد ابن باديس حساباته مع حكاية «الخلافة»، ولم يتردد في التأكيد على

أن «خيال الخلافة لن يتحقق، وأن المسلمين سينتهون يوماً -إن شاء الله- إلى

هذا الرأي»، بل وذهب إلى أنه لم يتوله سوى «شخص واحد في صدر الإسلام

وزمناً بعده على فرقة واضطراب، ثم قضت الضرورة بتعدده في الشرق

والغرب، ثم انسلخ عن معناه الأصلي وبقي رمزاً تقديسيا ليس من أوضاع

الإسلام في شيء»، و «رمزاً للخلافة الزائفة». وينسف ابن باديس مرجعية «

أهل الحل والعقد» للسياسة، قاصراً مرجعيتها على الوظيفة «الدينية البحتة»

دون تدخل في الحكومات ولا تدخل منها.
استعاد ابن باديس ذلك كله في لحظة وفاة مصطفى كمال، وتحدث عنه وليس

عن الأتاتوركية التي ستستكمل تبلورها وشيخوختها لاحقاً، ووصفه بأنه «أعظم

رجل عرفته البشرية في التاريخ الحديث» و «عبقري من أعظم عباقرة الشرق

الإسلامي كله» و «محيي الشرق الإسلامي كله». وتساءل باستنكار عن

الإسلام الذي تحويه «الكليتات» (العمائم)؟، ووضع في عدادها «خليفة

المسلمين، وشيخ إسلام المسلمين.. وشيوخ الطرق المتصوفين» الذين أقصاهم

مصطفى كمال، ووضع للشرق الإسلامي على حد تعبيره أساس «تكوين

جديد». رحل ابن باديس عام 1940 تاركاً ما تركه من تأسيس عظيم، وفي

عوارض هذا التأسيس كان قد خرق تنميط أتاتورك في «صفحة سوداء»

ليكشف على وجه التحديد ما تمّ طمسه، وهو صورة مصطفى كمال بطل

استقلال تركيا وحريتها ونهضتها، وهو الكشف الذي لا يحبه كثير من

الإسلاميين إما جهلاً أو تجاهلا.


(*) كاتب سوري

(المصدر: صحيفة 'العرب' (يومية – قطر) الصادرة يوم 18 أوت 2008

جمال باروت : ابن باديس وأتاتورك

التعليق غير مسموح للضيوف, الرجاء التسجيل

التعليقات مملوكة لأصحابها. نحن غير مسؤلون عن محتواها.


روابط ذات صلة

المقال الأكثر قراءة حول هذا الموضوع فكر وثقافة:

آخر خمس مقالات

أرشيف المقالات
خيارات عامة


تقييم المقال
النتيجة: 0
أصوات: 0

رجاءا خذ قليلا من الوقت وقم بتقييم هذا المقال:
ممتاز
حسن جدا
حسن
تمام
سيئ

النصوص الممهورة بتوقيع النهضة أنفو فقط هي التي تعبر عن رأي الموقع الرسمي وباقي النصوص تعبر عن رأي أصحابها .
جميع الحقوق محفوظة للنهضة أنفو © 2007. مزيد من المعلومات تجدونها في قوانين عامة.
بريد التراسلي لقسم التحرير nahdha[dot]tunisie[at]googlemail[dot]com®©  بريد التراسلي لإدارة النهضة انفو contact[at]nahdha[dot]info
جميع محتويات الموقع متوفرة تحت خاصيةRSS/RDF Nahdha@Info.
  إخراج الصفحة في 5.7913 لحظــة, بــ 35 إستعلام من قاعدة البيانات
*الساعة حاليا  (11:19+ 6) بتوقيت تونس * || * 3 زائر/زوار علي الخط * 
Powered for nahdha.org
sponsor & powwered for »:: pragmaMx - the fast CMS ::«  Bot-Trap Logo  Cback.de   Suchmaschinenoptimierung mit Ranking-Hits   ننصح بإستعمال المتصفح الثعلب الناري لتدعيم تدابير السلامة و الأمان عند التصفح firefox لتصفح أفضل  ندعم و ننصح بإستعمال البرنامج المكتبي المفتوح المصدر openoffice 
index