tunisie
nahdha_tunis logonahdha
البدايــة > أخبــار الموقع
د. أحمد القديدي: كتاب في الفكر السياسي العربي مجهول من ثمانية قرون
الأثنين, 25. أوت 2008
أخطر كتاب و أدق كتاب في الفكر السياسي العربي و الاسلامي، كتبه صاحبه من حوالي ثمانية قرون، وهو الأقدر على فهم إشكاليات العصر الحديث و قضايا الحكم و السلطة في العالم العرب الاسلامي

لا تجد له أثرا كبيرا في المراجع العديدة لكل من كتب في نشأة الدول و زوالها و في أخلاق الملوك و سلوك الخلفاء، و لا تجد له أحيانا حتى الذكر و الشكر، بينما هو من عيون التراث السياسي العربي الإسلامي الذي ينير عصرنا الحاضر و يسلط الضوء على أزماتنا السياسية الراهنة، بعيون المؤرخ و المفكر الذي عاش في القرن الثالث عشر(ميلادي)، ولكنه كأنه يتكلم اليوم و نحن في عام 2008، لأن مؤلف الكتاب عبقري نادر من العباقرة الذين يعيش فكرهم بعدهم لقرون عديدة، و لا ينفد علمهم بالتقادم. بالإضافة الى أن الكاتب عاصر أو كاد نكبة بغداد على أيدي المغول و مصرع آخر الخلفاء العباسيين المستعصم بالله و مقتل ولديه الاثنين في فاجعة، تذكرك أيها القارئ الكريم بما جرى في بغداد عام 2003 ! و صاحب الكتاب هو: محمد بن علي بن طباطبا المعروف بابن الطقطقي، والكتاب هو: ( الفخري في الآداب السلطانية و الدول الإسلامية )، وهو مولود سنة 660 هجري و متوفى سنة 709 ، أي إنه عاصر في طفولته نكبة بغداد و سقوطها سنة 656 هجري ( 1258 ميلادي) و تقلب في العراق وهو شاب مباشرة على إثر هذه الفاجعة، وقد كتب كتابه هذا لتقديمه هدية فكر و تدبر و تأمل في السياسة، الى أمير الموصل فخر الدين عيسى بن ابراهيم، مستلهما عنوان الكتاب من اسم الأمير تقربا له، و خدمة لرعايا الأمير.
وأُصارحكم بأني لم أعثر على مثقف عربي قرأ الكتاب، أو استفاد منه، سوى الزميل العزيز فهمي هويدي الذي ذكره مرة في مقال، و كان كبيضة الديك حفظه الله. و بقي هذا الكتاب سجين بعض البحوث الأكاديمية النادرة لا يبرحها، بينما هو مكتوب بلغة عربية سهلة مبسطة بلا تقعر أو سجع، الى جانب كونه يطرح معضلة الحكم في مجتمعات الإسلام، وهو ما يهمنا اليوم بالدرجة الأولى. فالكتاب من تراثنا المهمل، ولا أقول المجهول، كأنما شاركنا جميعا في وأد هذا التراث القيم الغني إمعانا في الاستلاب الثقافي، وتكريسا لليتم الحضاري. بل ان ما نشهده في مجتمعاتنا العربية من انهزام طوعي أمام الغزو الفكري و اللغوي الهابط في إذاعاتنا و فضائياتنا، وتعاملنا اليومي، لدليل على أننا بدأنا نرضى بمصير الأمة المغلوبة، ونتلاءم مع واقع الأمة المهزومة، كأن الأمر قدر محتوم في كتاب مختوم. و كان الأجدر بنا أن نحيي فكرنا الإسلامي القوي بالبحث و الدراسة و إعادة الاعتبار ونزرع في أجيالنا العربية المسلمة شعور الاعتزاز بما وضعه الآباء المؤسسون، و نشيد عليه ـ قبل سواه ـ مستقبلنا لا على أسس لقيطة من فتات الغرب و انحرافاته بدعوى اللحاق بركب الحضارة، و نحن في الواقع لا نلتحق سوى بركب الاجتثاث و التخلف والاستكانة و الرضا بالدون.
من الصعب عرض كل ما في هذا الكتاب القيم، و حسبي أن أشير الى ثلاثة أمور مهمة فيه، مشجعا القراء الأفاضل أن يقتنوه اذا ما وجدوه، لأن النسخة التي عثرت عليها في أحد أسواق الخردة بباريس منذ أعوام، مطبوعة في مصر بالمكتبة التجارية الكبرى عام 1927 أي منذ إحدى و ثمانين سنة، و قيل لي بأن الكتاب موجود على بعض المواقع الأكترونية و يمكن الرجوع اليه. و نعود للأمور الثلاثة التي أود لفت أنظاركم اليها وهي:
1- أن ابن الطقطقي سبق العلامة ابن خلدون بحوالي قرنين في تفكيك آلية إنشاء الدول واستقرار العمران البشري و أسباب انهيار الأمم، و هذا لا ينقص من فضل العلامة ابن خلدون شيئا فهو الموسوعة الخالدة لعلوم التاريخ و الاجتماع و فلسفة الحضارة بدون منازع، لكن من الأمانة أن نقرأ فكر ابن الطقطقي السباق، و نوفيه حقه و نرعى تراثه استكمالا للفكر السياسي العربي الثري الذي لم يبدأ مع ابن خلدون و لم ينته معه، بل كان ابن خلدون الحلقة الأقوى والأكثر تأثيرا في سلسلة الثقافة العالمية.
2- أروع ما في الكتاب و السباق في الزمن هو المنحى الحكيم المتسامح والداعي للتسامح في كل فصول الكتاب، فابن الطقطقي يحلل فضل التدافع و التنافس على الحكم في ظل حكمة رددها على لسان الرسول (صلعم) وهي: اختلاف أمتي رحمة. و يستنتج المؤرخ أن الصراع الايجابي ضروري، و لا يتحول الى صراع مسلح و شرير إلا إذا ألغي المختلف معك بقوة السجون و الاغتيال، وهو في نظر المؤرخ إيذان بذهاب العمران و احتلال الأوطان. وهو القائل: متى ما عرف الناس بأن الأمير يخشى الله أمنوه على أرواحهم وأعراضهم و أموالهم.
3- أحسن ما في الكتاب و أقربه الى فهم معضلات العالم العربي اليوم، هو ما جاء من ذكر أحداث سقوط بغداد على أيدي المغول، فالمؤرخ الذي عايش تداعيات هذا الحدث الجلل، يرى بأن شخصية المستعصم الذي كان آخر الخلفاء العباسيين، والذي حلت النكبة البغدادية على يديه هي السبب، يقول ابن الطقطقي و كأني به يتحدث عن التاسع من أبريل 2003 في ساحة الفردوس:
كان المستعصم رجلا خيرا متدينا، الا أنه كان مستضعف الرأي، ضعيف البطش قليل الخبرة بأمور المملكة، مطموعا فيه غير مهيب في النفوس و لا مطلع على حقائق الأمور، و كان زمانه ينقضي أكثره بسماع الأغاني و التفرج على المساخرة، وكان أصحابه مستولين عليه، و كلهم جهال من أراذل العوام، الا وزيره مؤيد الدين محمد بن العلقميـ فانه كان من أعيان الناس وعقلاء الرجال، ولكنه كان مكفوف اليد مردود القول، يترقب العزل و السجن صباح مساء، و لم يشعر الناس الا ورايات المغول ظاهرة على سور بغداد، فجرى من القتل الذريع والنهب العظيم و التمثيل البليغ ما يعظم سماعه، وقتل الخليفة مع ولديه الأكبر والأوسط، أما بناته فأسرن في رابع صفر سنة ست و خمسين و ستمائة.
هذه بعض الدرر السنية من هذا الكتاب الثمين الذي ينير واقعنا، ويرشد أهل الحل والعقد منا، فعسى الله أن يهدي أحدا من حكامنا حفظهم الله أو أحد العاملين، من أجل حفظ تاريخنا و إحياء أمجادنا، يخصص لإعادة تحقيقه و نشره بعض المال القليل لأن الأكاديمية الأوروبية للعلاقات الدولية بباريس شرعت في إعداده و ترجمته للغتين الفرنسية و الإنجليزية، خدمة لتراثنا الخالد و فتحا للآفاق الفكرية أمام شبابنا المسلم. و الله سبحانه من وراء القصد.

المصدر: جريدة الشرق ( يومية – قطر ) بتاريخ 20 أوت

د. أحمد القديدي: كتاب في الفكر السياسي العربي مجهول من ثمانية قرون

التعليق غير مسموح للضيوف, الرجاء التسجيل

التعليقات مملوكة لأصحابها. نحن غير مسؤلون عن محتواها.


روابط ذات صلة

المقال الأكثر قراءة حول هذا الموضوع فكر وثقافة:

آخر خمس مقالات

أرشيف المقالات
خيارات عامة


تقييم المقال
النتيجة: 0
أصوات: 0

رجاءا خذ قليلا من الوقت وقم بتقييم هذا المقال:
ممتاز
حسن جدا
حسن
تمام
سيئ

النصوص الممهورة بتوقيع النهضة أنفو فقط هي التي تعبر عن رأي الموقع الرسمي وباقي النصوص تعبر عن رأي أصحابها .
جميع الحقوق محفوظة للنهضة أنفو © 2007. مزيد من المعلومات تجدونها في قوانين عامة.
بريد التراسلي لقسم التحرير nahdha[dot]tunisie[at]googlemail[dot]com®©  بريد التراسلي لإدارة النهضة انفو contact[at]nahdha[dot]info
جميع محتويات الموقع متوفرة تحت خاصيةRSS/RDF Nahdha@Info.
  إخراج الصفحة في 1.9581 لحظــة, بــ 35 إستعلام من قاعدة البيانات
*الساعة حاليا  (11:29+ 6) بتوقيت تونس * || * 5 زائر/زوار علي الخط * 
Powered for nahdha.org
sponsor & powwered for »:: pragmaMx - the fast CMS ::«  Bot-Trap Logo  Cback.de   Suchmaschinenoptimierung mit Ranking-Hits   ننصح بإستعمال المتصفح الثعلب الناري لتدعيم تدابير السلامة و الأمان عند التصفح firefox لتصفح أفضل  ندعم و ننصح بإستعمال البرنامج المكتبي المفتوح المصدر openoffice 
index