|
منير شفيق
لم تكد
الحرب الجورجية - الروسية تضع أوزارها، بالرغم من إنهائها باتفاق روسي - فرنسي
وافق عليه ساكاشفيلي رئيس جورجيا، حتى بدأ الاعلام الغربي بشن حملة منظمة ضد روسيا
ككل. وليس ضد ميديديف (رئيس الدولة) وبوتين (رئيس الوزراء) فقط.
فجأة، وخلال الاسبوع الماضي، ودفعة واحدة اخرجت الأقنية
الفضائية الغربية، وفي المقدمة الـ ‘’سي.إن. إن’’، والـ ‘’بي. بي. سي’’ من الارشيف
صورا وافلاما ومقابلات حول دخول الدبابات السوفياتية (سُميت الروسية) الى عواصم بولندة
وتشيكو سدوفاكيا (وارسو وبراع ولم ينسوا بودابست). وبهذا اصبح ما حدث في الحرب
الروسية-الجيورجية استمرارا لما حدث في زمن الاتحاد السوفياتي وحلف وارسو وغدا ما
فعله السوفيات فعلا روسيا قوميا.
وذلك لتأسيس حملة منظمة تستهدف روسيا ككل. اما بالنسبة الى ميديديف رئيس
الدولة الذي امر بالرد على العدوان الجيورجي على قوات السلام الروسية في اوسيتيا
الجنوبية فقد اتجه الاعلام الغربي الى تجاهله، من خلال التركيز على فلاديمير
بوتين. وفي هذا استفزاز واستخفاف واستهتار. ولكن وراءه عدم وجود ما يمكن ان يؤخذ
على ميديديف الشاب في ماضيه. ولهذا ركز على بوتين ليقال كما فعل المرشح الجمهوري
جون ماكين، بأن شخصية بوتين تلخص بثلاثة مقاطع هي ‘’كي. جي. بي’’. اي رجل
الاستخبارات الخارجية السوفياتية. وبالطبع من الواضح ان الهدف نبش الماضي لتبنى
الحملة الجديدة ضد روسيا عليه. وذلك لاختصار ثلثي المسافة حيث الرأي العام الاميركي
والغربي مهيأ للمعاداة والعدوانية ضد السوفيات - الروس. نسي جورج دبليو بوش الرئيس الاميركي
الذي يعتبر نظراته قادرة على اختراق شخصية محدثه باعتباره ‘’رجل فراسة’’ على حد
الاصطلاح العربي القديم. وذلك عندما التقى الرئيس الروسي في مزرعته العام 2001
فقال انه رأى فيه ‘’فتى جيدا يمكن التعامل معه’’ واذا بالفتى الجيد (كودغاي) يصبح
الآن رجل الـ ‘’كي. جي. بي’’ الشرير الذي يجب ان يعتبر سليل الاتحاد السوفياتي
فيقال فيه كل ما قيل في عهد رونالد ريجان الرئيس الاميركي الاسبق ونائبه الوالد جورج
بوش حول ‘’امبراطورية الشر’’. بهذا تكون الحملة الاعلامية الغربية
قد بدأت ضد روسيا تمهيدا لمرحلة استراتيجية قادمة ستوضع فيها روسيا و’’احتواؤها’’
على رأس الاولويات الاميركية، والى حد اقل ربما الاوروبية. والدليل ان الروس لم يكونوا
البادئين بإشعال الحرب الجورجية-الروسية، فهم في حالة الدفاع عن النفس، بالرغم من
قوة الرد العسكري على جيش جورجيا.
وهذا من ناحية التوقيت والشكل، ولكن من ناحية الجوهر
والمحتوى فإن روسيا في حالة دفاع اشد وضوحا امام هجمة حلف الناتو منذ انتهاء الحرب
الباردة، في التوسع باتجاه تطويقها عسكريا (ليس للناتو من صفة غير الصفة العسكرية)، وصولا الى عقر دارها بل إلى عقر عقر دارها (جورجيا
واوكرانيا). توسع الأطلسي لتطويق روسيا عسكريا
ثم جاء مشروع قواعد الرادار والدرع الصاروخية في تشيخيا وبولندا من قبل البنتاغون
ليزيد الطين بلة، تهديدا صارخا للامن القومي الروسي. وبدهي ان تهديد الامن القومي
لاي بلد يعني تهديد وجود تلك البلد ووحدته الداخلية وهويته الوطنية. من هنا كان لا مقر لروسيا من ان
تأتي بظاهرة بوتين ميديديف او في الادق كان لا بد لها من ان تعيد ترتيب اوضاعها
الداخلية وتستعيد قوة الدولة، وتنفض الغبار عن قدراتها العسكرية، لتوقف زحف الناتو
الذي لم يكفه تفكيك حلف وارسو وانتقال دولة لعالم الغرب، ولم يكفه انهيار الاتحاد
السوفياتي وتحول روسيا الى مستجد لرضا الغرب الى حد التبعية في عهد يلتسين وانما
راح يعمل على تطويقها عسكريا وتفكيك وحدتها الداخلية وإلقائها في مستنقع الضياع
والفساد والانحلال والمافيات. ولهذا جاءت حرب جورجيا لتتحول الى
علامة فارقة بين عصرين في علاقات روسيا باميركا وباوروبا وبحلف الاطلسي. ولم يكن
هذا التحول قرارا روسيا فحسب وانما ايضا، كان قرارا اميركيا بدليل المبادرة
الجورجية لشن الحرب، الى جانب الاصرار، بعد الاتفاق على وقف اطلاق النار والعودة
الى الوضع السابق لشنها، على اطلاق حملة اعلامية مركزة ضد روسيا تمهيدا لمرحلة استراتيجية
جديدة. ولو لم يكن الامر كذلك لتقيدت
اميركا بنصوص الاتفاقية واعتبرت انسحاب القوات الروسية الى اوسيتيا الجنوبية
وأبخازيا ، كما كان الحال، قبل الحرب كافيا. ومن ثم ليصار الى التهدئة والتفاهم
ولكن الاصرار على الانسحاب الى ما وراء اوسيتيا الجنوبية وابخازبا، واعتبار
الاقليمين جزءا من جورجيا، يعني فتح معركة سياسية والدخول في تأزيم شديد مع روسيا
الامر الذي جعل من الحرب الجورجية - الروسية ميدانا لليِّ الاذرع بين روسيا
واميركا حتى بعد الاتفاق على وقف اطلاق النار وعودة القوات الروسية الى مواقعها
السابقة. بيد ان من المهم ملاحظة ان المضي
قدما في حرب اعلامية ضد روسيا والعمل على محاصرتها واحتوائها سيكون محرجا للصين من
جهة، ومخففا للحملة ضد العرب والمسلمين، بالضرورة، من جهة ثانية، ومغيرا للمناخ
الدولي كله من جهة ثالثة. - كاتب فلسطيني
المصدر موقع الوقت
الرابط http://www.alwaqt.com/blog_auth.php?authid=69
|