بسم الله الرحمن الرحيم
المصالحة إلى أين؟
لقد قررت النهضة - وهي في أوج محنتها - في مؤتمر 1995 ان الهدف الاستراتيجي لعملها السياسي هو "تحقيق المصالحة الوطنية الشاملة التي لا تستثني أحدا". و انبنى هذا التوجه على اعتبار أن بلادنا تحتاج إلى إعادة التوازن السياسي بما يمنع انفراد أي طرف من الاستبداد بتقرير مصير البلاد وان تنبني العلاقة بين الجميع على أساس التداول السلمي على السلطة واعتماد منهج التوافق وتغليب المصلحة العامة . وقد أعلنت الحركة في حينها أنها لم تعد مرحليا معنية بالوصول الى السلطة وانخراطها بالكامل في بناء معنى المشاركة والالتقاء مع مختلف الأطراف الوطنية الموافقة على هذا المنهج. ولقد انطلق هذا التوجه في ظرف لم يكن فيه أي مؤشر ايجابي عن إمكانية تحققه، وإنما تأسس على قناعة إستراتيجية منذ ذلك الحين.
و لقد خطى مسار المصالحة والتنسيق بين النهضة وأقطاب المعارضة الوطنية الجادة شوطا معتبرا ولا يزال يتطور ضمن إطار هيئة 18 أكتوبر رغم الصعوبات الداخلية والمكائد الخارجية.
في حين أن هذا المسار مع السلطة – وتونس عموما وحركة النهضة خصوصا سيكونان أكبر المستفيدين منه - لم يتقدم بل لم ينطلق وذلك لأسباب أهمها ما تعلق بسياسة السلطة الموغلة في الانغلاق تجاه مختلف الأطراف السياسية والمدنية التي تميزت بنهج معارض أو مستقل عن سياساتها. والنهضة إلى حد الساعة ومن منظور السلطة وسياساتها المتبعة وما يصدقه الواقع المعاش تبدو طرفا مقصيا وغير معترف به بمقتضى ذلك، رغم بذلها وتوسلها كل السبل السياسية والمدنية لإنهاء الاشتباك وطي صفحة الماضي ولقد صدقت ممارساتها كل سياساتها . ودعك من الدعوات والتصريحات والمبادرات الناتئة هنا وهناك في المواقع الالكترونية .
إن الذين يرون إن المصالحة تعني القبول بالاحتواء والتخلي عن دور المعارضة يتناقضون مع المفاهيم الدنيا للعمل السياسي الجاد ويعرضون البلاد إلى مزيد من الانفراد والاستبداد. ذلك أن الدعوة إلى المصالحة الحقيقية التي لا تستثني أحدا لا تتعارض واستمرار النضال من أجل الحريات والحقوق والإصلاح السياسي. بل تنبني بالضرورة على استمرار التشكيلات السياسية والمدنية المختلفة في تحقيق التوازن الضروري لبناء الديمقراطية في بلادنا.
المطلوب الآن أن تتقدم السلطة بكل جدية إلى طريق المصالحة والإصلاح وان لا تبني تحليلها على منطق المغالبة و إلغاء الخصوم. الذي يجب أن يدعوها إلى ذلك التحديات الكبيرة التي تواجهها البلاد على مختلف المستويات السياسية والاقتصادية والاجتماعية . وعلى الدوائر المختلفة الفاعلة في السلطة أن تعي أن غياب الديمقراطية وحرية التعبير يعطل طاقات عديدة من أبناء تونس عن إفادة وطنهم ويبث اليأس لدى الكفاءات الوطنية من مختلف القطاعات والفئات بما في ذلك غير المسيسة . فلا استثمار و لا إبداع في ظل غياب الحرية ودولة القانون و المؤسسات.
- إنه من غير الممكن أن يستمر الانغلاق دون أن يحدث هزات اجتماعية وأمنية لا يعلم مداها إلا الله. فالمفاعيل المضادة لهذه السياسة بدأت تظهر معالمها مع عجز السلطة عن حل المعضلات الاقتصادية والاجتماعية المتزايدة ومع ما يعتمل في رحم المجتمع من مظاهر التوتر والاحتقان والعنف .
- إن سياسة صم الآذان والهروب إلى الأمام يحرم البلاد من مواكبة التحولات الإقليمية في المنطقة وفي بلاد الجوار التي حزمت أمرها على أساس القبول بالتعدد وإدماج التيار الإسلامي في المعادلة. فهل تبقى تونس جزيرة منعزلة ؟ أم من الأفضل لها أن تستجيب سلطتها لمقتضيات العقل والحكمة؟
- في انتظار ذلك على الجميع أن يكتل الجهود الصادقة والجادة للضغط والإقناع بضرورة تحول في صالح البلاد والعباد والكف عما يلقي بالجميع إلى المجهول.
نعود أو لا نعود؟
ليس هذا السؤال ولكن كيف نعود ولماذا نعود بعد هجرة قسرية استمرت لأكثر من عقد ونصف. فما الذي تغير حتى يدعو البعض إلى ذلك؟ وهل زالت دواعي الغربة عن أرض الوطن؟ الهجرة ضرورة لحفظ الحياة والدين والحرية وهي ضرب من ضروب النضال ولقد كانت سنة في مسار الأنبياء والمصلحين ومن سار على نهجهم. والمحدد في علاقة هؤلاء بالأرض التي أخرجوا منها أو أقاموا فيها أو عادوا إليها إنما هي القضية التي قاموا من أجلها ولها تحركوا. فموسى عليه السلام خرج من مصر وقضى في منفاه سنينا عددا ولكنه عاد إليها ثانية ليواجه فرعون ويحرر بني إسرائيل. ونبينا عليه الصلاة والسلام غادر مكة للنجاة بدعوته وتمكينها في يثرب وبعدما عاد منصورا إلى مكة لم يبق بها ولم تكن العودة إليها إلا بهدف خدمة القضية التي استمر مركزها في المدينة.
المسألة إذا لا تتعلق بالعودة بل بمدارها وهدفها والقضية التي من أجلها ضحى وسجن الآلاف و هاجر المئات . إنها قضية الحرية قضية شعب وقضية بلد. أما أن تتحول العودة إلى قضية للمساومة على المبادئ والتحريض على إخوة الدرب فهذا أمر آخر يجب الحد منه فلا يمكن أن يكون النضال بأسلوب مخالف لمبادئه وقيمه وأما إذا كان الأمر لا يتعدى حد حل مشكلة شخصية فلا يكلف الله نفسا إلا وسعها، ولكن ما ينبغي أن يخطأ أحدنا المرمى فيحقق غايته بسبّ إخوانه والاعتداء على أعراضهم بل بتواضع المؤمن واتقائه لما حرم الله عليه. وليس من الاعتباط أن تفتتح كتب الحديث بالحديث المشهور عن النية والهجرة " إنما الأعمال بالنيات ".
صالح أو لا تصالح عد أو لا تعد؟
ولكن لا تخالف آداب الإسلام ولا تتجاوز في الكلام فإن الحق تبارك وتعالى يقول "قل لعبادي يقولوا التي هي أحسن إن الشيطان ينزغ بينهم إن الشيطان كان للإنسان عدوا مبينا ".إذ أن من بين أهم الأرصدة التي ناضل من أجلها الشهداء والمساجين والمهجّرون القيم الأخلاقية. فما ينبغي أن ينسينا النضال السياسي أن جوهر عملية الإصلاح هو الإنسان فكرا وسلوكا وخلقا .وليس من المفيد أن يضحي أحدنا بمبادئه في خصومة الآراء والمواقف فيها نسبية وإن كان هذا لا يمنع أن يستعمل كل طرف الحجة والبرهان لا السباب والشتائم.
في انتظار ذلك...
على القوى الوطنية الجادة والمخلصة مواصلة النضال والعمل من أجل فرض أولوية الدفاع عن الحريات وإحترام دستور البلاد وقوانينها وذلك في مقابل مواصلة السلطة سياستها في الإعتداء الصارخ على الحقوق الجماعية والفردية .ولا يبدو أن آخرها موسم مطاردة المحجبات خاصة من التلميذات والطالبات لإعاقتهن من إجراء الامتحانات. وهذا الأسلوب لن يزيد الناس إلا نقمة على السلطة ولا يزيد هذه الشريحة الكبيرة من بنات تونس إلا تمسكا بحجابهن .فمتى تفهم السلطة أنه لا إكراه في الدين مبدأ وقانونا، إذ لا يمكن القضاء على الإيمان والاعتقاد بالقمع والتخويف. أو ما الذي يخيف السلطة في أن تغطي امرأة رأسها أو تكشفه؟ للأسف الشديد لا يبدو أن ساسة الحكم في بلادنا يريدون الاعتبار.
فاعتبروا يا أولي الألباب من الخصوم ومن الأحباب.
التحرير



