وأخيرا تم تحرير مجموعة من رهائن القوات المسلحة الثورية الكولومبية وأشهرهم المرأة السياسية الفرنسية الكولومبية إنغريد بيتانكور التي التقت بعائلتها بعد ست سنوات وخمسة أشهر (وبالتحديد ٢٣٢١ يوما) من الفراق والانتظار الصعب بين الأمل والخوف. وكم كانت مشاهد اللقاء مؤثرة.
وتذكّرُنا هذه المشاهد باللقاء التي تم بين سامي الحاج مصوّر قناة الجزيرة وعائلته خصوصا ابنه الصغير على أرض السودان. وكان سامي قد اعتقل في غوانتانامو على يد القوات الأمريكية في إطار ما يسمى بالحملة على الإرهاب، بينما ثبت للجميع أن اعتقاله كان ظلما وعدوانا بخلفية التشفي والانتقام من قناة الجزيرة التي أزعجت الكثير من صناع القرار في العالم. وأرغمت الإدارة الأمريكية على إطلاق سراحه بعد أن علت الأصوات المدافعة عنه بقوة، والمستنكرة لهذه الممارسات غير القانونية، والفاضحة لاستراتيجية بوش القائمة على شعار "الفوضى الخلاقة".
إن القاسم المشترك الذي يجمع بين إنغريد بيتانكور وسامي الحاج هو أنهما ضحية ظلم مسلط عليهما، نتيجته الحرمان من حق الحرية. الأمر الذي يفسّر التعاطف الكبير معهما، لأن الإنسان جُبِل على الحياة الحرّة والتمرد على القيود التي تمنعه من حريته.
ومن حسن حظهما أن قضية كل منهما أخذت أصداء واسعة لأنها كانت تحت الأضواء الإعلامية ومتابَعَة من المؤسسات الحقوقية والجهات السياسية وغيرها.
أما من كانت قضيته محاصرة، ولا تجد التغطية الإعلامية الكافية، فإن حظه أن يبقى حبيسا يتجرع مرارة الحرمان من حريته حتى يقضي الله أمرا كان مفعولا.
ولعل قضية مساجين الرأي من أبناء النهضة وقيادتها هي أسطع مثال على هذا الصنف المبتلى ابتلاء مضاعفا. منعٌ من أبسط الحقوق، وظلم من "ذوي القربى" ممن ينتمون إلى جلدتهم ويتكلمون بألسنتهم. فمن بين هؤلاء المساجين من تجاوز العشريتين وهو في غياهب السجن محروم من ضمّ ولده إلى صدره. وهم يعيشون أوضاعا قاسية وأمراضا مزمنة في السجن، ولكن السلطة تتفنّن في انتهاج سياسة الموت البطيء إزاءهم، ملقية عرض الحائط كل النداءات الإنسانية لإطلاق سراحهم وسن عفو تشريعي في البلاد.
والأدهى أن من أطلق سراحه ليس له الحق في التمتع بطعم الحرية في ظل سياسة الملاحقات والتضييقات الأمنية.
إن نلسون مانديلا بقي ربع قرن في السجن بسبب نضالاته الباسلة ضد سياسة التمييز العنصري (ابارتيد) في جنوب إفريقيا، ولكن بعد خروجه من السجن استرجع حقوقه كاملة وأصبح زعيما بلغت شهرته كل ربوع الأرض. أما في تونس، فإن سجين الرأي يخرج من السجن لكي يجد نفسه محاصرا في معاشه ونشاطه، من أجل كسر معنوياته وتحطيم إرادته.
بيد أن من عشق الحرية يبقي يردّد ما قاله الشاعر التونسي أبو القاسم الشابي " فلا بد لليل أن ينجلي ولا بد للقيد أن ينكسر".
النهضة أنفو
(387 مجموع كلمات هذا النص)
(272 عدد المشاهدات)