tunisie
nahdha_tunis logonahdha
البدايــة > لوحة المجالات

من قال إن الشعب التونسي ليس بناضج !!

كلمة التحرير  

يتساءل البعض إن كانت مسؤولية الوضع الاستثنائي الذي تعيشه تونس فيما يتعلق بأزمة حقوق الإنسان وانتهاك الحريات تعود إلى الشعب التونسي بحجة طبيعته المسالمة التي تقبل التجاوزات وتحاول أن تتكيّف معها، ويذهب التحليل بالبعض الآخر إلى الاستنتاج بأن الشعب التونسي يعيش حالة استقالة سياسية جماعية وغياب الوعي والنضج، وأن أزمة الحريات ستتواصل ما دام التونسي همّه الاستهلاك والمهرجانات.

لا يمكن إصدار الأحكام بهذه البساطة. لأن  قراءة التاريخ والواقع تثبت عكس ما هو رائج. أحداث التاريخ تؤكد بأن تونس أنتجت روّدا في الإصلاح خاصة من خريجي جامع الزيتونة الذين كان لهم تأثير بالغ في نهضة الشعوب العربية والإسلامية، وأن الشعب التونسي لم يستسلم للاستعمار بل قاوم ببسالة بتوجيه من قيادات المقاومة الوطنية حتى أخرج المستعمر. ومن بين الأسماء التي تركت بصماتها في تاريخ تونس عقبة بن نافع والفقيه أسد بن الفرات فاتح صقلية وخير الدين التونسي صاحب كتاب "أقوم المسالك"والأميرة عزيزة عثمانة والنقابي فرحات حشاد وبطل الجنوب محمد  الدغباجي وعبد العزيز الثعالبي..وهناك عائلات معروفة بتوارثها للعلم مثل عائلتَيْ بن عاشور  والنيفر..

أما اليوم، فإن الشعب التونسي يعيش تحديات وصعوبات جمّة. وقد اجتمعت عليه محنتان: الكبت السياسي والضنك الاجتماعي والاقتصادي. ولئن كان يشترك مع عدد من الشعوب في أزمة القدرة الشرائية تحت مبرّر الأوضاع الاقتصادية العالمية، فإن الشعب التونسي يعيش محنة من نوع خاص - تكاد تكون استثناءً في المنطقة العربية والإسلامية- تتمثل في حجم الكبت السياسي وآلة القمع البوليسي المسلّطة عليه، مدعومة بآلة إعلامية دعائية ضخمة. وتكفي الإشارة إلى الأعداد الهائلة من أعوان الشرطة والبوليس السياسي الذين توظفهم السلطة - بأموال الشعب - للتصدي لكل حركة احتجاج ولو كانت بسيطة ومشروعة ولمراقبة كل تحركات المعارضة في الداخل والخارج وأنشطتها، ومحاصرة مواقع الانترنت والمدوّنات ووسائل الإعلام التي لا ترضى عنها السلطة... وكعيّنة على ذلك، طالبت  الجمعية الدولية لمساندة المساجين السياسيين  في بيانها الاحتجاجي الأخير على اختطاف نشطاء حقوقيين في بنزرت "بوضع حد لعربدة البوليس السياسي الذي يقطع أعوانه الطرقات دون حسيب ولا رقيب ويجتاحون قاعات المحكمة وأروقتها دون رادع ولا محاسب ويختطفون المواطنين الأبرياء ويحتجزونهم تعسفيا الساعات الطوال دون خوف من عقاب و لا خشية محاسبة ..!"

 وعلى الرغم من ذلك، فإن الشعب التونسي يكافح من أجل رفع هذه التحديات وتجاوز الظروف السياسية والاجتماعية التي كبّلت طاقاته وشلّت قدراته على العطاء والفعل. صحيح، قد تعطي الصورة الخارجية انطباعا سلبيا بأن الشعب استسلم لهذا الوضع وقبل به وانغمس في الاستهلاك والمهرجانات والاهتمام بنجوم الفنّ والرياضة، ولكن المتأمل يجد أن الضمائر ما زالت حيّة وأن المجتمع المدني يزخر بالهيئات والمنظمات والشخصيات الناشطة على المستوى الحقوقي والنقابي والإعلامي والسياسي، والتي تقف في الصف الأمامي في الدفاع عن الشعب ضد كل مظاهر انتهاك حقوقه والتعدي على كرامته، وتدفع الضريبة غالية ثمنا   للتعاطف والمؤازرة مع قضايا الشعب العادلة.
وهناك شخصيات علمية ورموز وطنية في الداخل منها من هو مشهور مثل الأستاذ نجيب الشابي ومنهم من هو مغمور مثل العالم الدكتور منصف بن سالم المحاصَر في حريته ومعاشه، دون نسيان العشرات ممن غُيّبوا في غياهب السجون بسبب مواقفهم وانتماءاتهم الفكرية والسياسية.
وحتى في الخارج، إذا استثنينا قلة من التونسيين في المهجر ممن  يسيئون إلى سمعة تونس بسلوكياتهم الأخلاقية المنحرفة، فإن التونسيين في الخارج محل احترام وتقدير. والنخبة من بينهم لها تأثير وإشعاع كبيرين في المجتمعات المتواجدة بها على كل المستويات العلمية والفكرية والدعوية والاستثمارية...كما توجد حركات ومنظمات سياسية وحقوقية تونسية في الخارج تنشط من أجل الحريات واحترام حقوق الإنسان في تونس وتضغط من أجل سنّ عفو تشريعي عام ينّفس البلاد من حالة الكبت السياسي السائدة اليوم. 

أما الشعب في عمومه فهو ليس في غفلة عن واقعه بل هو يعايش هذا الكبت السياسي ويحاول مراوغته كلّ بطريقته. من ذلك أن ظاهرة الإقبال على القنوات الفضائية غير التونسية دليل على الالتفاف على الدعاية الإعلامية الرسمية الفاقدة للمصداقية.  كما أن انتشار النكتة السياسية في صفوف التونسيين مؤشر لوعي سياسي بالواقع المتأزم، ويتم اللجوء إلى النكتة السياسية للتنفيس عن هذا الكبت والتعبير بشكل غير مباشر عن رفض كل أنواع الكبت والتوق إلى الحرية، كما يؤكد علماء الاجتماع والنفس.

ولم يقف الأمر عند هذا الحدّ، بل إنه توجد مؤشرات لبداية اختراق حاجز الخوف من القمع وإلى تشديد الضغط على السلطة للكف عن التعامل الأمني مع قضايا الشعب. ويعتبر العنصر النسائي في مقدمة العملية النضالية. وأكبر شاهد على ذلك تمسّك العديد من الشابات والنساء بحجابهنّ بالرغم من الحملات المتكررة التي تقوم بها السلطة ضد ما تسمّيه "الزي الطائفي". كما يعبّر  تزايد ظاهرة الإضراب عن الطعام - من طرف ذوي الانتماءات الفكرية والسياسية المعارضة داخل السجن وخارجه- عن حركة احتجاجية ضد انتهاك أبسط حقوقهم في التعبير والتنظم والعيش الكريم، بالتزامن مع مطالبة المنفيين المهجّرين اللاجئين بحق العودة الكريمة والآمنة  إلى أرض الوطن، في حين يطالب بعض المواطنين التونسيين المقيمين في الخارج من غير اللاجئين
بحقهم في الحصول  على جواز السفر التونسي بعد أن حُرموا أصلا من هذه الوثيقة  التي تمكّنهم من حرية التنقل خارج البلاد التي يقيمون بها فضلا عن العودة إلى بلدهم.
 
وتتسع موجة الاحتجاج الشعبي أمام تصلّب السلطة في تحقيق المطالب المشروعة للشعب. فقد  قام أهالي منطقة
الحوض المنجمي بقفصة بحركة عفوية احتجاجية امتدت على مدى خمسة أشهر للمطالبة بحقهم  في الشغل، والشفافية في الانتداب إلى العمل، والعدل في توزيع الثروة الوطنية. وأمام تحوّل هذه الحركة الاحتجاجية إلى كابوس يقضّ مضاجع السلطة خوفا من انتشارها، عمدت هذه الأخيرة إلى قمعها. فكانت النتيجة – حسب رسالة عدنان الحاجي أحد رموز الحركة حاليا في السجن، "حصول مواجهة يوم 6 جوان الماضي أفضت إلى قتلى وجرحى بالرصاص الحيّ وما تلاها من اعتقالات ومحاكمات طالت العشرات من الشباب".

من ناحية أخرى، لم تتوقف هذه التحركات على التفاعل مع الشأن الوطني التونسي، بل إن قضايا الوطن العربي والعالم الإسلامي كانت دائمة الحضور في ضمير التونسي. وفي كل مرة يُسلَّط ظلم على شعب من شعوب المنطقة، يكون الشعب التونسي من السبّاقين في التضامن مع هذه الشعوب. والأمثلة عديدة: فلسطين والعراق.. ولم تخمد جذوة التضامن والمؤازرة بشكل مباشر أو غير مباشر حتى في ظل الكبت السياسي. تشهد بذلك المسيرات الشعبية الكبرى في مناطق عديدة الأيام الأخيرة بمناسبة تشييع ثمانية شباب شهداء سقطوا على يد الاحتلال الإسرائيلي وتم تسليمهم في إطار عملية التبادل بين حزب الله وسلطات الاحتلال. وتحدثت منظمات حقوقية شاركت في هذه الجنازات مثل حرية وإنصاف عن عرس الشهادة وحيّت في بيانها " هبّة الجماهير الغفيرة ومشاركة مختلف الحساسيات والشرائح الاجتماعية من نقابيين وحقوقيين ومحامين وسياسيين وإعلاميين" في هذه الجنازات. والملفت للنظر أن الجماهير تحدّت السلطة التي رفضت طلب تنظيم جنازة وطنية تليق بتضحيات هؤلاء الشهداء، وسعت إلى أن يقع دفنهم في جنازات متفرقة ومتزامنة في ظل تعتيم إعلامي وتكتم عن مواعيد تسليم الجثامين  للعائلات ومواكب الشهداء. فعلى الرغم من الحصار المكثف وغير المبرر من طرف قوات البوليس السياسي وحرصها عند الجنازات على حمل الجثامين في سيارات إسعاف، إلا أن الأهالي والجماهير أبَوا إلا أن يُحمل الشهداء على الأكتاف تكريما لهم ومناصرة للقضية العادلة التي استشهدوا من أجلها.

هذه نماذج ساطعة لحالة وعي على مستوى الضمير الجمعي  لشعب يزخر بالطاقات والكفاءات، وملئ بالحيوية والعطاء، ولكنه يعاني من الكبت السياسي، خلافا لما جاء في تصريحات رسمية جمعها بيان مشهور جاء فيه: "إن شعبنا بلغ من الوعي والنضج ما يسمح لكل أبنائه وفئاته بالمشاركة البناءة في تصريف شؤونه في ظل نظام جمهوري يولي المؤسسات مكانتها ويوفر أسباب الديمقراطية المسؤولة، وعلى أساس سيادة الشعب كما نص عليها الدستور الذي يحتاج إلى مراجعة تأكدت اليوم، فلا مجال في عصرنا لرئاسة مدى الحياة ولا لخلافة آلية لا دخل فيها للشعب، فشعبنا جدير بحياة سياسية متطورة ومنظمة تعتمد بحق تعددية الأحزاب السياسية والتنظيمات الشعبية ..وسنحرص على إعطاء القانون حرمته، فلا مجال للظلم والقهر"

يبدو أن الشعب التونسي الواعي والناضج تبنّى هذه المقولات الرسمية ليحوّلها من شعار إلى واقع
.
(1180 مجموع كلمات هذا النص)
(360 عدد المشاهدات)    نسخة للطباعة


النصوص الممهورة بتوقيع النهضة أنفو فقط هي التي تعبر عن رأي الموقع الرسمي وباقي النصوص تعبر عن رأي أصحابها .
جميع الحقوق محفوظة للنهضة أنفو © 2007. مزيد من المعلومات تجدونها في قوانين عامة.
بريد التراسلي لقسم التحرير nahdha[dot]tunisie[at]googlemail[dot]com®©  بريد التراسلي لإدارة النهضة انفو contact[at]nahdha[dot]info
جميع محتويات الموقع متوفرة تحت خاصيةRSS/RDF Nahdha@Info.
  إخراج الصفحة في 0.3668 لحظــة, بــ 22 إستعلام من قاعدة البيانات
*الساعة حاليا  (11:21+ 6) بتوقيت تونس * || * 5 زائر/زوار علي الخط * 
Powered for nahdha.org
sponsor & powwered for »:: pragmaMx - the fast CMS ::«  Bot-Trap Logo  Cback.de   Suchmaschinenoptimierung mit Ranking-Hits   ننصح بإستعمال المتصفح الثعلب الناري لتدعيم تدابير السلامة و الأمان عند التصفح firefox لتصفح أفضل  ندعم و ننصح بإستعمال البرنامج المكتبي المفتوح المصدر openoffice 
index