تربية المرأة من منظور الشيخ محمد الغزالي
د. لطيفة حسين الكندري د. بدر محمد ملك[1]
قدمت هذه الدراسة للنشر في مجلة العلوم التربوية (معهد الدراسات التربوية في جامعة القاهرة)
وتم قبولها للنشر بعد التحكيم بتاريخ 18-6-2003 م
N
تربية المرأة من منظور الشيخ محمد الغزالي. 1
المحور الأول: التربية عند الغزالي. 14
المحور الثاني: المنطلقات الفكرية للشيخ الغزالي في تربية المرأة 18
المحور الثالث: موقف الشيخ الغزالي إزاء تحديات تربية المرأة 31
المحور الرابع: آراء الغزالي وتطوير تعليم المرأة 37
ضرورة مراجعة وتجديد فكر المصلحين. 41
كتب الغزالي وأشرطته السمعية التي تم الرجوع إليها لكتابة هذا البحث.. 55
تربية المرأة من منظور الشيخ محمد الغزالي
د. لطيفة حسين الكندري د. بدر محمد ملك
توطئة
هل قاد محمد الغزالي ثورة فكرية شاملة "بيريستوريكا إسلامية" لإعادة البناء الثقافي؟ هذا ما يراه بعض الباحثين (أحمد، ص 52) ولكن هل قدم الغزالي طرحاً جديداً في باب تربية المرأة؟
غير خاف أن الأستاذ الشيخ محمد الغزالي ترك تراثاً فكرياً زاخراً وهذا البحث يهدف إلى تتبع ما تركه هذا المفكر في أماكن متفرقة من كتبه بغرض توظيف ذلك النتاج في إثراء الساحة التربوية المعاصرة لا سيما في مجال التثقيف العام، والتجديد الاجتماعي. لقد ترك الغزالي ما يربو على الستين كتاباً في علوم متنوعة وهذه الكتب تمثل عصارة رحلة طويلة، وملاحظات هادفة سجلها في فترات مختلفة على مدار أكثر من ستين سنة وهو يتنقل في مؤسسات التعليم كعالم ومتعلم. هذا التراث الضخم بحاجة للرصد والتنقيب الدقيق لتحديد معاني التربية، ومعالم تعليم المرأة عند ذلك المفكر. من أجل الوصول لتلك الغاية المحددة سوف نتتبع في هذا البحث معظم كتب ومحاضرات الغزالي ثم نستعرض بعضها بغية إبراز الأفكار الرئيسة، وتحليل أبعادها الهامة، وتجلية مقاصدها العامة، وبيان وسائل الاستفادة منها.
يرى عدد كبير من الباحثين أن الغزالي قدم نظرات رائدة في مجال تجديد الفكر الإسلامي المعاصر فأفكاره تدل على سماحة الإسلام فيما يتصل بقضايا المرأة بينما يعتقد فريق من الباحثين أن بعض تلك الاجتهادات في غاية الخطورة ولا تخدم المجتمع المسلم المحافظ والأسلم إغفالها. رغم هذا التباين في وجهات النظر إزاء مواضيع محدودة إلا أن الكل يتفق على الدور الكبير الذي قام به الغزالي في العمل الإصلاحي على مستوى العالم الإسلامي ولا يستطيع أحد أن ينكر دراساته الأصيلة، ومواعظه البليغة، ومواقفه المشرفة، وجهوده المتميزة في خدمة التربية الإسلامية كنموذج وتطبيق.
نبذة عن حياة الغزالي
نشأ محمد الغزالي السقا (1335 – 1416 هـ = 1917 – 1996 م) في أسرة مصرية صالحة أحبت التصوف وعملت بالتجارة. كان والده حافظاً للقرآن الكريم وبذل الكثير من الجهد كي يكون ابنه عالماً فحفِظ الابن كتاب الله في الصغر ثم انتقل من "نكلا العنب" بمحافظة البحيرة إلى الإسكندرية ليدرس العلوم الدينية وعمره عشر سنوات. وتخرج الغزالي في الأزهر حيث تخصص في الدعوة والإرشاد ثم نال شهادة الماجستير سنة 1362 هـ = 1943 م فعمل بالوعظ وقام بالتدريس في الأزهر، وفي جامعة أم القرى في المملكة العربية السعودية، وجامعة قطر، وجامعة الأمير عبدالقادر في الجزائر.
نجد ترجمة الغزالي في كتب كثيرة (البيومي، 1999 م، ج3، ص 400، العقيل، 2001 م، ص 25، الماص، 2002، ج1، ص 577) ويمكننا أن نستنبط منها أهم العوامل التي أثرت في تكوينه الفكري وفيما يلي بعضاً منها:
1) تعلق الغزالي منذ طفولته بالقراءة فعشقها حتى أنه كان يطالع الكتب أحياناً وهو يتناول الطعام.
2) أعجب الغزالي بأبي حامد الغزالي وابن تيمية من السابقين وبمحمد عبده ورشيد رضا من اللاحقين فأخذ يدرس أفكارهم العلمية والإصلاحية وفي كتبه خلاصة انتَـخَلها واستخلصها من السابقين والمعاصرين ثم زاد عليها ما تيسر له. كما استفاد من كتابات وحلقات فطاحل الأزهر أمثال عبدالعظيم الزرقاني ومحمود شلتوت. وهكذا فإن مصادر فكر الغزالي متنوعة فتأثر بالمدرسة العقلية المعاصرة وبالأشاعرة وبمذهب السلف لكنه لم يلتزم بمنهج طائفة معينة (القرضاوي، 1997 م، ص 81، العودة، 1409 هـ، ص 33).
3) مارس الغزالي الإصلاح عملياً مع حسن البنا مؤسس جماعة "الإخوان المسلمون" فتركت صحبته عظيم الأثر في نفسه[2]، وفكره، وسلوكه. قال الغزالي واصفاً البنا "كانت لدى "حسن البنا" ثروة طائلة من علم النفس، وفن التربية، وقواعد الاجتماع، وكان له بصر نافذ بطبائع الجماهير، وقيم الأفراد، وميزان المواهب" (في موكب الدعوة، ص 212). وهذه الجماعة النشطة رحبت بجهود المرأة في الدعوة، والإصلاح، والتثقيف. "الإخوان المسلمون" كحركة إصلاحية واسعة لها فلسفة تربوية واضحة، وإسهامات ثقافية متنوعة (صبح، 1993، ج1 ص 530، Al-Azemi, 2002). واجه الغزالي مع أستاذه حسن البنا طائفة من المنن والفتن التي تصيب المصلحين في كل حين. يكشف الغزالي في قذائف الحق عن طرف من سيرته الشخصية حيث انتسب لتلك لجماعة في العشرين من عمره ومكث فيها قرابة سبع عشرة سنة، كان خلالها عضواً في هيئتها التأسيسية، ثم عضواً في مكتب الإرشاد العام (ص 81).
4) اطلع الغزالي على أحوال العالم الإسلامي وشخَّص علله، وناقش الأفكار الحديثة، وحاول انتقاء المفيد منها. ولقد تألق الغزالي في معظم الأقطار الإسلامية حيث سافر وحاضر ونشر العلم وحاز الجوائز العلمية الرفيعة.
5) أدرك الغزالي أهمية الكتابة والخطابة في تغيير المجتمع فجند كل طاقاته الطموحة لنشر الدعوة الإسلامية ومكافحة الفساد والظلم والجهل. لم يترك هذا المصلح الجهاد الفكري بالقلم، والدفاع عن القيم إلى آخر رمق في حياته، ودُفن جثمانه في البقيع بقرب قبور الصحابة الكرام وفي ذلك تكريم لكل داعية للإسلام.
كتب الغزالي ديوانه الشعري اليتيم الحياة الأولى عام 1354 هـ = 1936 م وهو في بداية شبابه عندما كان طالبا في معهد الإسكندرية الثانوي ومحاولته المبكرة هذه لم يُكتب لها الاستمرار وكأنه وجد الخطابة والكتابة أقرب إلى قلبه فتوقف عن تدوين أشعاره وتوسع في تدعيم أفكاره من شعر غيره وسار على هذا النهج في كل كتبه. يضم ديوانه الشعري على تأملات عامة لمفهوم الإيمان والوطن والابتلاء والمرض والفضيلة والمجد.
اتبع الغزالي منهج علماء السلف فتخلق بأخلاقهم فكان يغير أفكاره بتواضع وشجاعة كلما زاد تحصيله أو تبين له بُعد قوله عن الصواب. كانت أفكار الغزالي ثورة على النفس قبل أن تكون ثورة على قيم راكدة شاعت بين الناس. قالت الباحثة هبة رؤوف: لقد نشأ الغزالي "في الريف حيث تحط التقاليد من شأن النساء فكانت كتاباته المبكرة متحفظة على مشاركة المرأة في المجتمع" ولكنه حين زاد وعيه بأوضاع المرأة المتردية نصر قضاياها (انظر آل رشي، 2002 م، ص 50).
شهد العلماء المعاصرون بسعة علم الغزالي فالمتخصصون يؤكدون على إمامته في الدعوة والأدب والتفسير والحديث والفقه (القضماني، 2002 م، ص 46، الفلوسي، 2000 م، خليل وآخرون، 1993). يقول عبد الله الحنفي (1996 م) لقد فتح الغزالي ملفا غنيا بالأفكار الأساسية، التي تشكل إجاباتها معالم الفكر الإسلامي الحر القادر على مواكبة الخطاب العالمي. قام الغزالي منذ شبابه بمحاربة الظلم الاجتماعي، وجاهد في تحرير المرأة باسم الإسلام (عبدالقدوس، 2002 م، ج3، ص 95، الميلاد، 2001، ص 126).
الدراسات السابقة
ناقش نفر غير قليل من الكاتبين أطروحات الغزالي إزاء قضايا المرأة (السقا، 1996، ص 28) فوجدوها متذبذبة ومتناقضة وضارة لا تخلو من التأثر بضغط الفكر الغربي (العودة، 1409 هـ، ص 23، ص 26، 28، المدخلي، 1409 هـ، الجزائري، 1990 م). خاض المنتقدون في مباحث فقهية عديدة وشككوا في مرتكزات فكر الغزالي.
يرى المنتقدون وعلى رأسهم ربيع بن هادي عمير المدخلي أن الشيخ محمد الغزالي قد حشر نفسه مع خصوم السنة النبوية المطهرة بل صار حامل لواء الحرب عليها وأصبحت كتبه تمثل مدرسة ينهل منها كل حاقد على الإسلام ومرد ذلك إلى قصور إدراكه لمعاني الأحاديث فيخيل له هذا القصور أنها تعارض القرآن أو تصادم العقل وقد يكون هذا العقل جهميا أو معتزليا أو غربيا. ويعترف الغزالي كما يقول المدخلي:
" بقوامة الرجل على المرأة على إغماض ومضض، ثم يقصر هذه القوامة على البيت فقط وهو رأي في حدود علمي لم يسبقه إليه أحد. فالإسلام يفرض على المرأة أن لا تخرج من بيت زوجها إلا بإذنه. وفي مجال السياسة يرى الغزالي أن للمرأة أن تتولى المناصب العليا في الدولة فيقول : (وللمرأة ذات الكفاءة العلمية والإدارية والسياسية أن تلي أي منصب ماعدا الخلافة العظمى) ويقول عن أهل أوروبا - يريد إذا أسلموا -:
(وإذا ارتضوا أن تكون المرأة حاكمة أو قاضية أو وزيرة أو سفيرة فلهم ما شاؤا ولنا وجهات نظر فقهية تجيز ذلك ) . فتراه لا يستثني من المناصب في الدولة إلا الخلافة العظمي ولا ندري ما دليله على هذا الاستثناء. وعلى كل حال فيجوز عنده أن تكون المرأة ملكة أو رئيسة جمهورية أو رئيسة وزراء أو وزيرة أو قاضية أو قائدة جيش . وهو بهذا الرأي يخالف إجماع الأمة ويخالف سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم القولية والعملية، ويخالف عمل الخلفاء الراشدين . ويتعلق بقول شاذ يخالف كل ما سبق ذكره . ثم نسأله ما هي وجهات النظر الفقهية التي يزعمها ومن هم هؤلاء الفقهاء الذين سبقوه إلى هذا الرأي وما هي أدلتهم ولعل الرجل يشير إلى ما ذهب إليه أبو حنيفة من أن المرأة تقضي فيما تصح فيه شهادتها. فإن كان يرمي إلى هذا القول فشتان بين ما يقول الغزالي وبين هذا القول . ومع أن قول أبي حنيفة ضعيف لا دليل عليه فإنه لا يريد به منصب القضاء. وعلى كلٍ فإن قول الغزالي غريب جداً بعيد جدا عن الإسلام وعن أقوال أئمة الإسلام. وأدلته إنما هي أعمال الأوربيين وتقاليدهم وتقاليد من نهج نهجهم".
قرر المدخلي في نهاية بحثه - الذي قد يعد أعنف نقد لفكر الغزالي – أن رؤى الغزالي لا تعكس الرؤية الإسلامية وقال" فإني أرى أن فكر الغزالي خطير جداً على الإسلام فهو امتداد خطير لشتى الدعوات الرهيبة : فهو امتداد رهيب للاشتراكية والديمقراطية، وامتداد خطير لدعوة قاسم أمين إلى تحرير المرأة ومساواتها بالرجل في كل مجال". هذه النتيجة النهائية لا تختلف في حدتها مع نهاية دراسة أبي بكر جابر الجزائري وسلمان العودة وغيرهما من المعارضين بشدة. لقد أنكر هؤلاء أن تكشف المرأة وجهها، وأن تتولى المناصب الإدارية الرفيعة في المجتمع، وأن تشتغل في السياسة. يعتقد هؤلاء أن هذه مسائل محسومة شرعاً وليس من الحكمة مخالفة رأي السابقين في مثل هذه القضايا الحساسة.
الملاحظ لفكر المخالفين يجدهم قد اتفقوا جميعاً على رد اجتهاد الغزالي لأنه اجتهاد غير سائغ وبالتالي هو اجتهاد مذموم عديم الجدوى ويلام صاحبه لأنه استدل على آرائه بأدلة بدعية لا شرعية . من الواضح أن الدراسات السابقة التي انتقدت الغزالي لم تجد أي فكرة وجيهة تستحق النظر في فكر الغزالي وعلى الأخص فيما يتصل بقضايا المرأة وسبل الإصلاح الاجتماعي بل على العكس فإن ذلك الفكر قد يزرع الفتن قطعاً ويجلب المفاسد يقيناً. المقالات العابرة والدراسات العميقة التي كتبها المخالفون لطرح الغزالي ترفض تماماً وصف "الفقه البدوي" وهو وصف استخدمه الغزالي (السنة النبوية، ص 15) وفهمه غيره من المخالفين له على أنه إساءة لهم ويجب أن تتنزه المناقشات الموضوعية عن هذه السقطات والتشنجات.
لا يتفق كثير من الباحثين مع نتائج الدراسات السابقة إذ يعتقد بعض المتخصصين في تحليل ببلوغرافيا الخطاب العربي حول المرأة في القرن العشرين أن تيار الغزالي رغم التحديات الكثيرة إلا أنه يمثل تيار الإصلاح المعتدل في الخطاب الإسلامي (صالح وأبوالمجد ومصطفى، 2002 م، ص 115، 121، 481).
كتب عويس (2000 م) فصلاً عن الغزالي وقضايا المرأة وتوصل إلى أن الغزالي قاد تياراً معتدلاً لإنصاف المرأة وتحقيق فعاليتها (ص 61 - 71). وقام القرضاوي (1997 م) بتتبع فكر الغزالي إزاء قضايا المرأة فوجدها رائدة ثم قدم فكرة عامة مليئة بالشواهد المنقولة من كتب الغزالي (ص 208 –209 - 217).
لقد تعقبت معظم الدراسات السابقة المسائل الفقهية التي طرحها الغزالي وقلما نعثر على تحليلات تربوية مكثفة وعميقة. لم تتحدث تلك الدراسات بصورة مفصلة عن سبل استثمار فكر الغزالي في عملية توجيه وتجديد التراث والوعي الجماهيري عبر القنوات التعليمية.
من الدراسات الهامة في موضوع دراستنا دراسة للباحثة سهيلة الحسيني (1998 م). أكدت فيها أن الغزالي قام بالدفاع عن المرأة منذ بداية الخمسينات إلى آخر حياته (ص 15). وتوصلت الباحثة إلى مجموعة نتائج متفرقة في ثنايا كتابها ومن تلك النتائج أن الغزالي يرى:
1- إقامة دروس في المساجد خاصة بالسيدات في أوقات الصباح لتعود للمسجد قيادته الأولى في قيادة المجتمع.
2- تقف المرأة على قدم المساواة مع الرجل في الغَرف من معين التربية والعلم أيضاً.
3- رفض تقاليد الشرق المجحفة والغرب المسرفة لأنها لا تصون شخصية المرأة.
4- عدم إقحام المرأة في أعمال تذيب الأنوثة.
5- لا يمنع الإسلام الاختلاط إذا كان محكوماً بأسيجة العفة والفضيلة.
كما قامت هبه رؤوف عزت (1997 م) بدراسة "الحق المر: الشيخ الغزالي وقضايا المرأة" فوجدت أن الغزالي كان في الستينات يؤكد على أولوية عمل المرأة داخل بيتها ولكنه في الثمانينيات وبعد طول خبرة "يسعى إلى إيجاد توازن بين مسئولية المرأة داخل أسرتها ومسئوليتها تجاه قضايا الأمة" (ص 95). يرى الغزالي كما تقول الباحثة: "أن مستقبل الإسلام رهن بإعادة النظر في قضايا عديدة، منها قضية المرأة، وأن التضييق كان مدخلاً لأعداء الدين لكي ينفذوا إلى المجتمع الإسلامي" (ص 94).
مشكلة البحث، والحاجة إليه
تشهد الدراسات النسوية اهتماماً بالغاً في معظم بلدان العالم وعلى المستويين الرسمي والشعبي لأنها تعمل على حماية الحقوق الإنسانية وتعمل بصورة متواصلة لتحسين واقع المرأة. ويسعى العاملون في الفكر التربوي الإسلامي المعاصر إلى بناء حقل لدراسة قضايا المرأة المسلمة ومن دواعي تأسيس هذا الحقل العلمي مواجهة إشكاليات التراث، وتحديات الحداثة من خلال النقد الذاتي، ومواجهة الخطاب الغربي، وتحقيق النهضة. لقد طالب الغزالي بضرورة تصحيح النظرة اتجاه المرأة وحقوقها وانتقد بشدة بعض التقاليد المحسوبة على الإسلام وهي ليست منه وحاول تقديم الصورة الصحيحة للمرأة في الإسلام (ادكير , 2002 م، ص 28، Abul-Fadl, 2003). هناك إشارات متفرقة في حقل الدراسات النسوية تشير لكتابات الغزالي (أبوبكر وشكري، 2002، ص 32، 219، قريشي، 2002 م، ص 190 زين العابدين، 1998، ص 23) مما يؤكد وجود رؤية إصلاحية تحتاج لمزيد من الرصد لتعميم النفع منها ولإبراز معالمها كأصول اجتماعية للتربية. ينادي المتخصصون في الحقل التربوي بتطوير منظور أصيل يحقق العدالة الاجتماعية للمرأة المسلمة ويعيد "بناء الفكر الإسلامي" (برزنجي، 2002 م، ص 94). كما أن كبار المفكرين يؤكدون على أن معالجة مشكلة المرأة من شروط النهضة المنتظرة (بن نبي، 2000 م، ص 123). وتنادي النخب الثقافية في العالم العربي بوضع ميثاق إصلاحي يحدد الأولويات ومنها "ضرورة معالجة وضع المرأة" (هويدي، 2003 م، ص 23).
هناك خلاف حقيقي بين المسلمين حول رسالة المرأة (غزاوي، 2002، ص 71، المهريزي، 1422 هـ، ص 1، السعداوي وعزت، 2000 م، ص 8، بلتاجي، 200 م، ص، القصيبي، 2003 م، ص 225) وفي هذه الجدلية التربوية يرى فريق أنه من حق المرأة أن تتعلم إلى أقصى درجات التعلم وأن تكون عضواً فعالاً في حياة المجتمع الثقافية والسياسية، بينما فريق يقلل من هذا الشأن بصور شتى وباسم العادات تارة أو تحت مظلة اجتهادات فقهية قد تبدو متعسفة تارة أخرى. إننا مدعوُّون إلى العمل الحثيث لمعالجة وضع المرأة المسلمة مما هي فيه اليوم من ضياع بين دعوات التزمت، وأعاصير التفلُّت (السباعي, 2003 م). يقر المتخصصون في التربية الإسلامية أن الجهل الذي كان يغلف معاملة المرأة المسلمة أوجد انحرافاً خطيراً مازلنا نعاني منه (قطب، 1989 م، ج2، ص 316).
ومن الأهمية بمكان مواجهة العادات الراكدة والمعتقدات الجامدة التي تهدف إلى حجب المرأة عن المشاركة الإيجابية في خدمة المجتمع وتمنعها عن نيل حقوقها الدستورية. إن الدراسات الأكاديمية لا بد أن تكشف صور الاستبداد والقسوة التي قد تتعرض لها النساء دون مبالغة، كما يقع على عاتق الباحثين فضح الحركات المستوردة التي من شأنها إفساد قيم المجتمع المسلم. إن تجاوز هذا المأزق التاريخي يتطلب استطلاع المحاولات الإصلاحية المعاصرة المهتمة بتعميق مفهوم العدالة الاجتماعية كنظرية وتطبيق لإثراء عملية البناء التربوي.
وقد دوَّن الغزالي في كتابه الحق المر سلسلة خواطر متناثرة عن قضايا المرأة وحدد موقفه من النهضة النسائية الحقة كما يراها فقال أنه وغيره من العلماء "مشغولون بالنهضة النسائية المعاصرة نفرح لاستقامتها ونأسى لعوجها, ونتفرس فيما تنقله عن الحضارة الحديثة كي نميز الخبيث من الطيب, ونضمن مستقبلا طهورا .. إنني أعترف بأن المرأة لم تعامل بتعاليم الإسلام خلال قرون مضت!" (ج1, ص 116). وشهادة الغزالي تطابق تماما شهادة القرضاوي في أن المرأة المسلمة أقصيت إقصاءً حاسماً عن المساهمة الحضارية (أبوشقة, 1999م، ج1، ص 20).
يدعو المتخصصون في الفكر الإسلامي المعاصر وفي قضايا المرأة إلى تتبع منهج الغزالي في إيقاظ العقل (أبو شقة، 2001 م، ص 76). تنظر الموسوعات الأكاديمية العالمية إلى الغزالي كمصلح اجتماعي يطالب بفتح ميادين العمل لإسهامات المرأة ويقدم الأدلة الدينية والعقلية ليبرهن سلامة توجهه (Ayubi, 1995, vol. 2. p. 64) ولكن هذه المصادر لا تبين بالتفصيل معالم الحركة الإصلاحية في فكر الغزالي وتكتفي بالإشارة إلى أهمية أفكاره في قضايا المرأة دون تحليل الأبعاد التربوية المرتبطة بها ودون ربط منطلقاتها بمصادر التربية المعاصرة وأدبياتها المتنامية.
منهج البحث وأسئلته
يوظف هذا البحث المنهج التحليلي الاستنباطي من خلال رصد أهم الآراء المتعلقة في موضوع تنشئة المرأة وتحليل مضامينها التربوية من أجل الحصول على صورة عامة متكاملة تعكس فكر الغزالي عموماً في هذا المضمار. إن استقراء الأدبيات سيساعدنا في استنباط وانتقاء التطبيقات التربوية التي من شأنها أن تساهم في عملية تفعيل دور المرأة المسلمة حضارياً وبما ينسجم مع فلسفة الغزالي.
ستقوم الدراسة الحالية بتتبع موضوع تربية المرأة واستقرائه من مظانه - أي كتب الغزالي وأشرطته السمعية- وجمع المعلومات المتعلقة به من هذه المظان وذلك من خلال تتبع الجزئيات أو معظمها للوصول إلى الكليات أو حكم عام يشملها وهو منهج إسلامي أصيل استخدم في علم الأخلاق والآداب وتدوين المعارف (حبنكة، 2002 م، ص 188، 189) أما المنهج التحليلي فإنه يهتم بتحليل أهم ما ظفرنا به بعد دراسة النصوص والأفكار. المنهج الاستنباطي هو الاستنتاج العام للمبادئ المستخلصة بعد عملية بحثية منظمة موثقة (قلعه جي 1999 م، ص 16 – 17، يالجن، 1999 م، ص 22، 26).
ونظراً لكثرة كتب الغزالي، وندرة الشروح والتعاليق التي قام بها الباحثون في حقل التربية لتوضيح معالم تنشئة المرأة عند الغزالي بصورة مترابطة مستقلة مفصلة فإن دراستنا الحالية ستتصدى للإجابة عن القضايا التالية:
1) ما المقصود بالتربية والتعليم والتثقيف عند الغزالي؟
2) ما المنطلقات التي ارتكز إليها الشيخ الغزالي في نظرته لتربية المرأة في ظل التحديات المعاصرة؟
3) ما موقف الشيخ الغزالي إزاء تحديات تربية المرأة وتعليمها؟
4) كيف يمكن الإفادة من آراء الغزالي في تصحيح نظرتنا للمرأة تربية، وتعليماً، وأدواراً، في مناهجنا التعليمية؟
ستكون المحاور التالية محاولة منهجية للإجابة عن الأسئلة السابقة.
المحور الأول: التربية عند الغزالي
نظر الغزالي للتربية نظرة عملية نابعة من السياق الثقافي العام إذ أخذ يتتبع مدى تأثير قلة الوعي التربوي على واقع المجتمعات العربية المتردية وأثناء ذلك ذكر أكثر من تعريف للتربية والتعليم والثقافة وأشار لبعض وسائل التأديب مع بيان واضح للأهمية السامية للتربية في رقي الأمم ونشر القيم.
يعد كتاب الإسلام والأوضاع الاقتصادية أول كتب الغزالي المنشورة حيث كتبه عام 1947 م وحاول فيه ربط التربية بحركة المجتمع وقام بنقد الواقع وأشار إلى أن شئون الزواج والأسرة تحتاج إلى وزارة مستقلة وطالب بضرورة تمهيد طريق الفضيلة (ص 47). لاحظ الغزالي شيوع ثقافة الخنوع المنتشرة في جماهير المسلمين فوجد أن الفهم السقيم لمفهوم الإيمان بالقضاء والقدر يسوغ الكسل والشقاء والفقر والجهل. وكتب المؤلف فصلاً ناقداً عن التعلم ولم يطنب في مدح العلم في تعاليم الإسلام ولكنه لام الأمة المسلمة التي لم تترجم فضيلة العلم إلى ساحة العمل فكتب "بمقدار ما مدح الدين العلم، بمقدار ما تهاوى المسلمون في الجهل!! فما حولتهم نصائحه بدوراً ولا شموساً" (ص 61). وبذلك أنكر الغزالي الفصام الذي يعيشه بعض العلماء عندما يمجدون الدين ويغفلون عن دراسة واقع المسلمين.
يركز العلماء دائما على العلوم الشرعية وهي محل الثناء في الشرع أما العلوم الأخرى فحكمها بحسب نفعها وضررها (ابن العثيمين، 2002 م، ص 8). يتوسع الغزالي في الحض على العلم الشرعي وغيره ويرى أن الثناء والمدح في الإسلام يشمل كل شخص مخلص يتعلم العلوم النافعة طالما أنه يخدم نفسه ومجتمعه والآيات والأحاديث تشير إلى التزود من المعارف المفيدة أياً كانت (خلق المسلم، ص 201). رسم الغزالي الإطار التربوي لمشروعه وأكد على ضرورة تفعيل دور المرأة فهي شقيقة الرجل وطلب العلم – بمعناه الشامل - فريضة عليها (الإسلام والطاقات المعطلة، ص 168).
نجد في محاضرات الشيخ محمد الغزالي في إصلاح الفرد والمجتمع أن التربية في بلادنا الإسلامية لم تحسن استغلال مواهب الشباب (ص 111). ويرى الغزالي أن التربية هي التزكية "والتزكية: هي البحث عن كل عيب في النفس الإنسانية ووقفه واجتثاث جذوره، ثم يجيء بعد هذا تكميل النفس الإنسانية بالكمالات الإنسانية" وفي تعريف مشابه يقول المؤلف أن التربية هي "أن يستجمع الإنسان الفضائل التي لا بد منها للكمال الإنساني" (ص 138 - 140) وعلماء التربية يؤكدون على أن التوسط في الأمور هو الفضيلة (كفاح دين، ص 245). "
ويحدد الغزالي وبلغة موجزة غاية التعليم فيقول "إن مراتب التعليم المختلفة هي مراحل جهاد متصل لتهذيب العقل وتقوية ملكاته، وتصويب نظرته إلى الكون والحياة والأحياء. فكل تعليم يقصر بأصحابه عن هذا الشأو لا يؤبه له" (فقه السيرة، ص 57).
وتحدث الغزالي عن تثقيف المرأة وعرف التثقيف فقال: "هو تفتيق الذهن والمواهب وتصحيح فكرة الإنسان عن الكون والحياة وتعهد سلوكه بما يلائم الحق والواجب" (من هنا نعلم، ص 166).
قام الغزالي في كتابه صيحة التحذير من دعاة التنصير بالتأكيد على أن التربية نشاط شعبي قبل كل شيء ولا بد من تغيير التقاليد السيئة والأوهام الشائعة (ص 24-25)، ويرى في كتابه نظرات في القرآن أن التربية الناجحة تحتاج إلى البيئة السليمة ويقول "والتربية المنشودة ليست دروسا تلقى, إنما هي جو يصنع, وإيحاء بغزو الأرواح باليقين الحي والعزيمة الصادقة" ) ص 94). لقد أشار الغزالي في كفاح دين إلى موضوعات ثقافية هامة مثل دور الجامع الأزهر في البناء العلمي للأمة (184) كما كتب عن مساوئ التعليم (173) والدور التربوي للإذاعة والفن (ص 215) وضبط النفس (ص 232) والكبت بين أدب التربية ومناهج الانحلال (ص 243) مما يدل على إيمان الغزالي بالتغيير الشامل ورفضه لحصر نطاق التعليم والتثقيف في دائرة المدارس.
وكما تحدث الغزالي عن معاني التربية فإننا نجده يولي وسائل التربية اهتماماً كبيراً. لا يحبذ الغزالي فكرة نبذ العقاب البدني تماماً وينتقد التربية الحديثة لأنها ألغت الإيذاء المادي ويرى في كتابه مع الله أن التمثيل والمسرح والأدب الروائي وسائل دخيلة لا تحقق غاية إنسانية لكن المؤلف لا يفرض رأيه على غيره في هذه المسائل التي تختلف فيها الأذواق ويقرر قاعدة "ليس كل دخيل يستراب فيه" (ص 320). ومن المعلوم أن التربية الإسلامية المعاصرة تشجع التمثيل المسرحي الهادف المفيد في المدارس وذلك لأثره الإيجابي في تقريب المعاني (بن جبرين، 1419 هـ، ص 131).
وعن تربية الأطفال يقول الغزالي في الحق المر أيضا "الطفولة صفحة بيضاء يخط فيها الآباء والأساتذة ما شاءوا"، ويطلب تقليل الأفلام الكرتونية المعروضة للطفل مع زيادة حفظ ما تيسر من كتاب الله لتنشيط الذاكرة كما يحذر من الاعتماد على العصا لأنه "عبث ضار" (ج4، 73، 74). يذكر الغزالي "أن تنشئة كل مولود على أقساط من العلم تجلو عقله، وتصون فطرته، وتفتح مداركه، وتنمي مواهبه أخذت طريقها المستقيم في الغرب. أعني أوربا وأمريكا حيث نسبة الأمية صفر! فإذا نقلنا نظام الإلزام الصارم من هناك، وطبقناه في بلادنا كان ذلك عملاً أرشد وطريقاً أخصر .. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "طلب العلم فريضة على كل مسلم ومسلمة" والفرض يعني الإلزام .. وقد اضطربت وسائلنا – في العصور الأخيرة في تنفيذ هذا الإلزام حتى ارتفعت نسبة الأمية في البلاد الإسلامية إلى حد يبعث على الزراية والأسى". ولا حرج علينا قط أن نستعين بالوسائل التي جربها الآخرون إذا كانت تسعفنا في بلوغ غرض مقرر عندنا (معركة المصحف، ص 133). إذا كان القابسي قد أشار لما يمكن أن يعني إلزامية التعليم فإن القوانين لم تسن في المجتمعات العربية لمواجهة خطر الأمية حتى جاء الغرب.
يؤمن الغزالي في كتابه الحق المر أن العمل السياسي لطلب الحكم يجب أن لا يستغرق إلا 1% من العمل الإسلامي الصحيح أما ما تبقي من جهد فيجب أن يُصرف في إصلاح الأخلاق المتردية التي تملأ بلادنا بالعقد ومن الشئون التي تحتاج للإصلاح تقاليد الزواج والطلاق ويصرح المؤلف بأنه مرتاب من قدرة وخبرة مَن يريد الوصول للحكم وهو لم يباشر إصلاح الفوضى في المجتمع (ج5، ص 13، ج3، 198). الأمة التي تفقد التربية السليمة لا تحقق شيئاً، ولن تنجح الثورات لعلاج المشكلات (ج2، ص 123) وعلينا كما يقول الغزالي "أن نعرق في تزكية النفوس بالأخلاق العالية، وفي دعم المجتمع بالتقاليد الصالحة" (ج4، ص 166).
عالج الغزالي نهاية كتابه قذائف الحق مجموعة مسائل تربوية في غاية الأهمية ووجد بعد البحث والتنقيب أن العلة غالبا في طرائق تدريس المناهج لا في المناهج التعليمية نفسها ففي مدارسنا وجامعاتنا مناهج متقدمة أحيانا ولكن طرائق التعليم لا تواكبها (ص 279، 299). المشكلة هي أن "المادة العلمية شيء، وأسلوب تقديمها وتلقيها شيء آخر" (ص 279). ويدون الغزالي تجربته مع لجنة من لجان تطوير المناهج الدراسية في مصر ويبين لنا أنه اختار العمل في اللجنة المعنية "بالجو الذي يسود المدرسة"[3]، ويعلل ذلك بأن التربية المدرسية هي الدعامة الأولى للإفادة من العلم المبذول ولاكتشاف المواهب. ولكي يتهيأ الجو الديني المدرسي المنشود ذكرت اللجنة التي شارك فيها الغزالي 39 توصية قيمة لتحقيق المطلوب. عرَّف الغزالي التربية وحدد أركانها فقال أن التربية هي الإفادة من التقدم العلمي "لتزكية الشخصية وتهذيب سلوكها"، والأصل في التربية تعهد الأخلاق، والخلق "هو عادة الإرادة". وضح الغزالي أن المفروض في برامج التربية تحقيق أمرين:
أولاً: أن ترسم الوجهة للسلوك المنشود.
"ثانياً: أن تُدَرِّب الأفراد على هذا السلوك، وتأخذهم به أخذاً مستمراً حتى يصبح طبعاً لهم وصبغة ثابتة فيهم، فالمربي أشبه بالزراع الذي يتولى البذر والحرث والسقيا والحماية والإخصاب والانتقاء حتى تنضج الثمرة". وكلمة التربية عند الغزالي تعني التزكية "والتسامي بالنفس وامتلاك الهوى". ويعرف التربية الدينية بأنها "نوع خاص من البناء المعنوي يجعل المرء متجهاً بقواه كلها إلى غاية معلومة وضابطاً لحياته وفق نظام مرسوم" (ص 300). وتشبيه المربي بالمزارع تشبيه دقيق (Alkanderi, 2001, p. 146) ذكره أبو حامد الغزالي قديماً وروسو فيما بعد.
من خلال الملاحظة الفاحصة نجد أن الغزالي قد نظر للتربية نظرة شاملة في سياقها الثقافي العام فهي قوة عظيمة لتوجيه الجماهير للتطوير والنبوغ أو للتخدير والخنوع. التربية الصحيحة نواة شجرة ثقافية فينانة ذات ظل فكري وريف ينتفع الناس منها لأنها تحث على الحركة الإيجابية ولا تبرر الخمول والجهل. مفهوم التربية في هذا الإطار يصبح محركاً للأمة كلها لتنفض غبار الأمية والتغريب عن كاهلها.
المحور الثاني: المنطلقات الفكرية للشيخ الغزالي في تربية المرأة
إذا أردنا استقصاء المنطلقات التي تناثرت في ثنايا كتب الغزالي فيمكن أن الإشارة إلى أهمها في سبعة منطلقات وهي:
· النظرة الكلية الشاملة للإصلاح.
· النظرة النقدية.
· الوسطية.
· أسس لبرامج التدريب.
· ضبط الواقع لا الخضوع لضغطه.
· الموضوعية وتنوع المصادر العلمية.
· الأصالة والمعاصرة.
سيستعرض البحث فيما يلي ما سبق إيجازه.
النظرة الكلية الشاملة للإصلاح
تتطابق رؤى هذه الدراسة مع نظرات شاعر النيل – حافظ إبراهيم- عندما اعتبر ضعف برامج البنات من أكبر علل البلدان الشرقية فقال:
|
من لي بتربية النساء فإنها |
|
في الشرق علة ذلك الإخفاق |
من هذا المنطلق، يقوم المصلحون بتسليط الضوء على هذا الموضوع الذي لا يزال في بداية رحلة طويلة لمعالجة المعضلة كي تشارك المرأة في عملية تنمية المجتمع فليس في الإسلام ما يمنع من ذلك فالمرأة أهل لذلك ولكن التقاليد الاجتماعية قد تغلب المعتقدات الدينية كما تدل معطيات هذه الدراسة. يختلف الغزالي عن معظم المصلحين في أنه يطالب بتربية المرأة تعليماً راقياً يؤهلها لإدارة منزلها ومجتمعها فتفيد أسرتها وتثري مجتمعها فالمرأة المؤهلة الملتزمة بآداب الإسلام تستحق أن تتقلد أرفع المناصب وتعمل في الوظائف العامة بحرية تامة.
التربية التقليدية تعد المرأة في إطار ينحصر في البيت وفي بعض المهن داخل وزارتي الصحة والتدريس بينما التربية عند الغزالي تطالب بإصلاح شامل عن طريق توسيع عملية إعداد المرأة لتدعم مسيرة التنمية دون الإخلال بوظيفتها في البيت. رغم أن دساتير دول العالم تقر مبدأ المساواة بين الرجل والمرأة إجمالاً إلا أن الواقع يؤكد أن كفة الرجال أرجح في إدارة الأمور وتحصيل المعارف وهو الأمر الذي يرفضه فكر الغزالي جملة وتفصيلاً فالنساء شقائق الرجال في البيت والمدرسة والمجتمع ولا بد من اعداد المرأة بصورة شاملة تتيح لها ممارسة رسالتها في صناعة الحياة. قام الغزالي بتفسير القرآن الكريم ودراسة السنة النبوية المطهرة على ضوء تلك النظرة الكلية كما قام بدراسة الظواهر الاجتماعية وما يتصل بها من موروثات بنفس الرؤية التي تدل على دعوة لتحرير المرأة وتجديد الفكر الديني.
النظرة النقدية
قام الغزالي في ركائز الإيمان ببيان ضرر الأحاديث المكذوبة مثل حديث "لا تعلموهن الكتابة ولا تسكنوهن الغرف" وحديث "خير للمرأة ألا ترى رجلاً ولا يراها رجل" فهذه الأحاديث الباطلة استقبلها الناس كأساس السلوك في بعض البيئات (ص 157). وأشار الغزالي في فقه السيرة إلى أن الجهل بالسنة النبوية جعل البعض يعزل النساء تماما عن الحياة العامة (ص 36).
كشف الغزالي في تراثنا الفكري عن تخوفه من سيطرة بعض الحركات الإسلامية في حال الوصول للحكم لأنهم لا يؤمنون بمبدأ التوسع في تعليم المرأة (ص 47، 63، 67)، وتناول الغزالي بعض المتدينين باللوم والإنكار لأنهم لم يعرضوا سماحة الإسلام في قضايا المرأة بل هم من أسباب نفور الحركات النسائية من تعاليم الإسلام وفي نفس اللحظة انتقد الحركات النسائية لأنها هاجمت الدين لا المتدينين (حصاد الغرور، ص 207). ونجد في كتاب مقالات الشيخ محمد الغزالي إشكالية تعليم النساء في القرن العشرين, فلم تفتح المدارس أبوابها إلا بعد محاولات مضنية ولا تزال فكرة عزل المرأة عن الدين والدنيا قائمة في أدمغة نفر من المتدينين (ج1, ص 29).
انتقد الغزالي أيضاً الواقع العربي كممارسات اجتماعية وموروثات دينية. ولأن قضية المرأة قضية جوهرية لا ثانوية فإن الغزالي في سر تأخر العرب والمسلمين يسجل تجربته ويبين أن البعض ما زال يرفض أن تمارس المرأة حقوقها ويقاوم نصائح المصلحين الداعية لرفع الظلم الاجتماعي فأصبحت الأنوثة رمز الهوان (ص 25) استغرب المؤلف من وضع المرأة الغربية وهي تقود الشعوب وتغزو الفضاء وتتحكم بالمركبات الفضائية بينما المرأة المسلمة قد لا يحق لها قيادة سيارة على ظهر الأرض (ص 31). وأنكر الغزالي مذهب الأحناف في أن القرشية لا يتزوجها إلا قرشي، كما أشار إلى أن من الصور المهينة لكرامة المرأة في مجتمعاتنا أن البعض يضنون على البنت بأخذ ميراثها (الحق المر، ج4، ص 17، ج3، ص 224). وتكلم المؤلف عن أهمية الأسرة في الإسلام وأكد على أن ليس للآباء إكراه بناتهم في التزوج ممن يكرهن لكن لهم حق الاعتراض على العقد إذا أساءت الفتاة التصرف في نفسها (هذا ديننا، ص 152).
وسع الشيخ الغزالي نطاق نقده ليشمل تحليل مواطن من التراث النصراني مع بيان أثرها السلبي على الفكر الإسلامي فناقش في كتابه صيحة التحذير من دعاة التنصير قضية المرأة عند المسلمين والنصارى وأنكر أن تكون حواء سبب الخطيئة الأولى. وأشار الغزالي إلى أن تعاليم آباء الكنيسة الأقدمين انتقلت إلى تراث الأمة الإسلامية (ص 144) فهناك بقايا من أحكام الجاهلية تسيء إلى الأنثى وتخدش كرامتها تسربت إلينا من تقليد النصرانية (ص 147). رغم نقده الشديد لوضع المرأة عند النصارى إلا أن الغزالي يوجه اللوم أولاً إلى المسلمين المعاصرين لأنهم "عجزوا عن تقديم نموذج إسلامي جيد لحقوق المرأة وأسلوب معاملتها" (ص 165).
صوب الغزالي سهام نقده لشبهات المستشرقين أيضاً فنذر قلمه للدفاع عن حياض الدين ودخل معاركها الفكرية ليرد كيد المفترين فالصراع مع الغرب يتواصل في أكثر من خندق ثقافي لا سيما بعد أن بسط الغرب سيادته وتقهقر العرب أمام سلطانه. ينفي الغزالي في كتابه دفاع عن العقيدة ما أورده جولد تسيهر من أن أبا حنيفة عدو للمرأة ولرد هذا الهراء ذكر الغزالي جملة أدلة تدحض هذه الفرية من أساسها إذ أن أبا حنيفة أباح للمرأة "القضاء فيما تصح فيه شهادتها ... ولم يفرض عليها خدمة الزوج، بل أوجب على الزوج أن يستأجر لها من يخدمها" (ص 76). وعلاوة على ذلك فإن الغزالي تناول بصورة عابرة ولكن عميقة العديد من قضايا التربية العامة في كتابه التعصب والتسامح فكشف وفند شبهات المستشرقين وأشياعهم ممن ينسبون العنف للإسلام مع أنه دين رحمة يرحب بالحب والتسامح. كما بين دور التعصب النصراني في عرقلة مسيرة التعليم في أفريقيا (ص 338).
تناول الغزالي جهود هيئة الأمم في رفع مستوى المرأة ووجد أنها في نهاية المطاف تسهل عمل الفاحشة ولا تستنكر الشذوذ فهي لا تحقق العدالة المنشودة (الحق المر، ج5، ص 157) ثم يقدم المؤلف رؤية بديلة لما ينبغي أن تكون عليه المواثيق الدولية في شئون المرأة. تحدث الغزالي عن ضياع القيم الغربية وضرورة مراجعة الإسلام للاستفادة منه عالمياً فرغم تألق الذكاء البشري فالحاجة ماسة للأخلاق والرسالة الإسلامية (ج6، ص 183).
انتقد الغزالي في كتابه الإسلام والطاقات المعطلة وضع المرأة في الشرق والغرب وأشار إلى أن المرأة العاطلة في الشرق أفضل من المرأة الفاسدة في الغرب ولكن المرأة يجب أن تختار آداب الإسلام وليس لأحد أن يخيرها بين الشرين (ص 101). كما شرح الغزالي في هموم داعية مكانة المرأة والأسرة في الإسلام وفند قول الغرب الذي يزعم أن الإسلام دين يهين المرأة كما ينكر المؤلف على المسلمين سوء معاملة المرأة ويؤكد على أن ذلك يسيء للإسلام ويحول دون انتشار رسالته الإنسانية التي كرمت كل من الرجل والمرأة (ص 65).
تناول الغزالي موضوع المرأة من زوايا عديدة في رحلة حياته المديدة وذكر أسباباً متنوعة ساهمت في تدني وضع المرأة ولكنه لم يوجه اللوم للمرأة نفسها مع أنها فرطت بحقوقها الشرعية وينبغي عليها هي أولاً أن تهب مسرعة للمطالبة الحكيمة الواثقة إلى ممارسة حقوقها المسلوبة فإن الحقوق تؤخذ وقلما توهب. "التغيير يجب أن يبدأ من المرأة بأن تعيد النظر إلى ذاتها" (الميلاد، 2001، ص 64، 90). كما ينبغي تصحيح تصور المرأة عن نفسها أولاً ثم تصحيح تصورات المسلمين عن شخصيتها ثانياً فهي شخصية سوية طموحه (أبوشقة، 1999 م، ص 302 – 304).
الوسطية
لقد انقسم العلماء في شأن تعليم المرأة إلى ثلاثة أقسام. القسم الأول يتمسك بسياسة تعلم العلوم الضرورية والهامة فقط ثم تقر في بيتها ولا تخرج إلا للضرورة، وقسم يطالب بتعليم المرأة ثم تعمل في أي عمل تريده دون التقيد بالقيود الثقافية، وقسم وسطي يؤمن بتعليم المرأة إلى أبعد الحدود وتشارك في العمل خارج منزلها إن أرادت ولكن مع الالتزام بالآداب الإسلامية.
تتجلى وسطية الغزالي في أنه شجع عطاء المرأة في خدمة المجتمع والعمل خارج المنزل وذلك عبر المشاركة في الأعمال التي تناسبها مع التأكيد على أن وظيفة ربة بيت وظيفة عظيمة ولا تَعارض أبداً بين المسارين. لا توجد حاجة لأن تُخيَّر المرأة بين البيت أو العمل خارجه طالما أنها تستطيع الوفاء بحق الوظيفتين بصورة متوازنة. يحمل الإنسان في طياته طاقات عظيمة تتيح له ممارسة عمله في محيط المجتمع ودائرة الأسرة في تناغم.
يرى عبدالحليم عويس (2000 م) أن الغزالي كان يقف مع حجاب المرأة ويراه الوسطية المحققة لإنسانية المرأة وفاعليتها في سياق واحد، فالسفور يجعلها سلعة مبتذلة وأما النقاب فإنه يحول دون فعالية المرأة (ص 65).
إن من علامات إنصاف المرأة أن نترك لعقلها الواعي السليم حرية الاختيار في ملبسها ومسلكها وخاصة في المسائل الفقهية الخلافية فلقد حرمت من أبسط حقوقها الخاصة والعامة لمدة قرون عديدة وآن لها أن تمارس حقها الطبيعي في التعبير عن رأيها كما أراد لها الإسلام الذي جعل لإرادة المرأة قيمة كبرى في إدارة الحياة كشريكة متعاونة مع الرجل.
يحترم الغزالي مكانة المرأة كما يتفهم طبيعتها وتكوينها الجسدي والنفسي ويؤمن بأن مواهبها واستعداداتها تسع لتحصيل المعارف وتنمية المجتمع ولهذا فهو يرى أن عملية تثقيف المرأة يجب أن تتحرر من الكثير من الموروثات السلبية التي مازالت باسم الدين أو التقاليد تقلص ميادين تربيتها وتزيد من معاناتها. خاض الغزالي معارك فكرية كثيرة لتوسيع دائرة تعليم المرأة كي تشارك في أنشطة المجتمع دون قيود جامدة تكبل حركتها أو أفكار سلبية وافدة تفشل مسيرتها.
لقد جاءت نظرات الغزالي متفرقة في كتبه وخطبه ولكنها تجتمع كلها تحت منهج عام بدأ فيه الغزالي منذ منتصف القرن الماضي وأخذ يوسع إطاره فيما بعد. يطالب هذا المنهج التربوي الوسطي بالاعتدال في استئناف نشاط المرأة في الحياة العامة بصورة شاملة وبما يتناسب مع معتقداتنا الإسلامية مع رفض قاطع للواقع العربي في حبس النساء أو تقليد الغرب في التفسخ. استخدم الغزالي رؤية نقدية لنشر أفكاره التي حاول أن تكون معتدلة فانتقد تقاليد الشرق المجحفة التي لا تقل خطراً عن تقاليد الغرب المسرفة، وصورت كتاباته قصة ظلم المرأة بين مِطرقة المغالين وسَندان المقصرين .شملت الحركة النقدية عند الغزالي تنقية الثقافة والأعراف من أفكار تحتقر المرأة وتستهين بقدراتها وتريد الإبقاء على ظواهر سلبية متعالية تضخم مواطن الضعف الإنساني الأنثوي. لقد شاعت تلك المعتقدات بين الناس وشوهت سمعة الإسلام. قرن الغزالي حججه بدلائل عقلية وأسانيد نقلية وحاول توجيه الجماهير نحو مراجعة النفس والتراث والواقع. من المؤكد أن كتاب المرأة بين العادات الوافدة والراكدة من أهم وأشمل كتب الأستاذ الغزالي عن تربية المرأة ولكن الكثير من المرتكزات الوسطية مكنونة في كتبه الأخرى فما أوجزه في مكان فصل فيه في مكان آخر.
أسس لبرامج التدريب
حض الغزالي المربين على تأهيل وتدريب المتعلمين (قذائف الحق، ص 300) بعد رسم الأهداف المطلوبة وذلك لغرس وممارسة كل المفاهيم التي من شأنها تهذيب النفس سواء داخل الأسرة أو في جنبات المجتمع. إعداد البرامج التدريبية المناسبة لترسيخ المفاهيم الاجتماعية العادلة تجعل عملية تمكين المرأة في دائرة التأثير والتقويم والتطوير. هذه الفلسفة الوسطية المتماسكة تجعلنا نراجع برنامج المساجد والمدارس والمعاهد لنتأكد من سلامة رسالتها في إمداد الفتيات بمعرفة الحقوق والواجبات لممارستها في واقع الحياة. هل الأهداف المرسومة لمؤسسات التعليم والدروس المثبتة في دفاتر تحضير الدروس المدرسية تزود الفتاة بحقائق معاصرة تكشف ظلم بعض العادات الوافدة والراكدة وتبين كيف تتم المواجهة الحكيمة؟ هل كليات التعليم العالي تكوِّن العقلية الناقدة أم أنها تمجد مآثر حضارتنا في الماضي وتغض الطرف عن مرارة الحاضر؟ هل ثقافة المرأة اليوم ثقافة صحيحة تؤهلها للمطالبة بحقوقها بصورة صحيحة وتسمح لها بممارسة رسالتها على بصيرة؟ ما المؤشرات الدالة على تعميق مفهوم ممارسة حق الاختيار في مدارسنا؟ هذه جملة أسئلة تنبثق مما سبق ونعتقد أنها تتسق مع عملية تطبيق فلسفة الغزالي التربوية في الميادين التعليمية. لقد هاجم الغزالي ثقافة تحقير أو تقليل شأن المرأة وحارب الصور النمطية التي سادت فعطلت طاقات النساء فهل يتخذ المربون هذه السياسة لتحقيق سيادة المرأة لتقوم بدورها كشقيقة للرجل فتشاركه وتساهم في عملية صناعة الحياة في البيت والمجتمع بمؤسساته الرسمية والأهلية؟ ما البرامج المرسومة لتحقيق ذلك؟
يرى الغزالي أنه لا بد من رعاية الأسس النفسية والاجتماعية من أجل تقديم برامج إصلاحية نافعة وفيما يلي أهم الأسس:
· توثيق الصلة بين المرأة وينابيع الثقافة الدينية والمدنية.
· إعادة الحياة للعلاقة بين النساء وبيوت الله في الصلوات.
· تدريس الوظائف التربوية للبيت المسلم حتى نستطيع تخريج أجيال تعرف ربها ودينها ومعاشها ومعادها.
· الحكم بإعدام ما تواصى المسلمون به في تقاليد الزواج من مغالاة في المهور وإسراف في الحفلات.
· وصل ما بين البيت المسلم وقضايا المجتمع الكبرى (قذائف الحق، ص 298).
ضبط الواقع لا الخضوع لضغطه
يعتقد بعض الباحثين (العودة، 1409 هـ، المدخلي، 1409 هـ، الجزائري، 1990 م) أن ضغط الواقع وهيمنة النظريات الغربية المنتصرة شكلت بعض قناعات الغزالي فخضع لها وسار في ركابها وخاصة في قضايا المرأة. يجب أن نقدر من انتقد الغزالي بصورة موضوعية فكلام الغزالي وغيره من المفكرين قد لا يخلو أحياناً من بعض الاجتهادات النسبية، والألفاظ الفضفاضة، وردود الأفعال السريعة أو العاطفية (عماد الدين خليل وآخرون، 1993 م، ص 35) ولكننا نعتقد - في العموم وعلى ضوء دراستنا الحالية- أن ضبط الواقع لا ضغطه أساس نظرية الغزالي في تربية المرأة وهي نظرية رائدة تتسم بالسداد والوسطية لأنها ترفض فوضى الغرب، وتنكر تشدد الشرق.
ظل الغزالي ملتزماً بالإطار السابق كخط واضح وإن تغيرت بعض التفاصيل كبعض آرائه الفقهية في قضايا معينة مثل الترحيب بالاختلاط في الجامعات وفق الضوابط الشرعية، وموافقته على تربية المرأة تربية عالية لتتولي الوظائف القيادية. لم يحارب الغزالي الظواهر السلبية في البادية أو الريف فقط ولكنه انتقد العادات الشرقية دون تحيز فانتقد بعض التقاليد العربية (المصرية والجزائرية والخليجية..) والغربية والشيوعية وكل ما اعتقد ضرره في عملية تربية وتعليم المرأة، ولم تسلم مسيرة الأزهر التعليمية من نقده اللاذع. وإذا فرضنا تأثر الغزالي بضغط الحضارة الغربية فهل كل دخيل يستراب منه؟ وهل نترك بناء مدارس البنات لأن الغرب قطع شوطاً في نشرها عالمياً؟ وهل يَسلم مَن رفض منطق الغزالي مِن ضغط الأوضاع الشرقية الراكدة؟
إن الذين يتحدثون عن تأثر الغزالي بضغط الواقع لا يكشفون حقيقة الضغط الرهيب الذي تتعرض له الفتاة العربية في حياتها اليومية. ذلك الضغط الذي قيد عقلها وكبل حركتها قد قلل مساهماتها تقليلا واضحا ولقد حاولت كتابات الغزالي أن تقرب المعاني الأليمة في مسيرة النساء ليقوم المجتمع بضبط الواقع من خلال تجريده من أشكال الانحراف والضغوطات. حاول الغزالي أن يرفض ضغط الغرب والشرق معاً فالفريق الأول يمعن في التغاضي عن العفة والثاني يغض الطرف عن سياسة تجهيل النساء.
رفض الشيخ الغزالي بشدة الخضوع لمفاسد الغرب بينما رحب بحذر التعاون مع الغرب والاستفادة منه في كل أمر نافع. من الواضح أن الغزالي يرى تغيير الأوضاع من خلال تغيير المفاهيم حيث أنه يؤمن بأن فساد التدين حجب المسلمين من فهم الدين كقوة باعثة للتأمل والتغيير والإنتاج والعمل والتسامح. لذلك فإن الإصلاح لا يتحقق إلا برفع المستوى العلمي، وتهذيب الأخلاق وتكوين العادات الصالحة، والتربية الشاملة وخاصة للناشئة، وفهم الدين دون إفراط أو تفريط والاستفادة من الخبرات الوافدة إن كانت نافعة. من أهم الأمور التي يمكن أن نستنبطها أيضاً من فقه الغزالي أننا يمكن أن نستفيد من الأنظمة التربوية الغير إسلامية طالما أنها تحقق مقاصد الدين وتتسق مع مصالح المجتمع. وهكذا لا يمانع الغزالي من الاستفادة من تقاليد لم نعرفها إذا بدت صلاحيتها مثل فكرة تشجيع المرأة في الإنتاج في مؤسسات الدولة (ليس من الإسلام، ص 206).
الموضوعية وتنوع المصادر العلمية
تقوم منظومة الفكر التربوي عند الغزالي على أساس احترام مبدأ الحرية والاختيار والشورى الملزمة واحترام الخلاف العلمي النزيه والنقد النزيه والتعددية الموضوعية وهذه المفاهيم الأصيلة تنسجم مع مضامين مفردات التربية المعاصرة التي تدعو للاعتدال والشمول. من الواضح أن الغزالي بذل جهداً كبيراً ليحقق الأصالة والمعاصرة من خلال الحرص على فتح نوافذ فكرية للاستفادة من الدراسات المعاصرة مع الاستعانة بالمصادر القديمة.
تعرض الغزالي في كل أو جل فقهه التربوي لكثير من المسائل الخلافية وتميز بصراحة المواجهة وسلامة المنهج فأنكر حكر الحق في المسائل الخلافية فالفكر الصائب لا يسير في ركاب طائفة معينة. إن رؤية الغزالي تجعل من الإيمان وإعمال العقل كتلة واحدة لمعالجة الثغرات دون تضخيم أو تعتيم. إن التربية المعاصرة تدعو للحوار والتسامح والإقناع وحق الاختيار وتوسيع مساحة الحرية بما لا يتعارض مع قطعيات الدين ومصالح المجتمع. تتضمن تربية البنات في الإسلام الكثير من الترجيحات التي تتطلب الاجتهاد الناضج مما يتطلب مساحة من التسامح تسمح بالحوار العلمي، والاختيار الموضوعي، والنقد الذاتي. قد تكون بعض عبارات الغزالي قاسية أو غير دقيقة أحياناً عندما ينتقد مخالفيه فيصف فقههم بالفقه البدوي فتتحول عبارات التوضيح إلى سهام للتجريح. ولكن على ضوء الاستقراء نجد أن منهج الغزالي العام في الاجتهاد والاختيار يرحب بالتنوع ويرفض الوصاية الفكرية. الحاجة ماسة للإيمان بحرية الحوار البناء على الأقل بين الباحثين في دراساتهم كي يتقدم العلم بأفكار مستنيرة ولا يتقيد العقل فينكمش في قضايا هامشية وتشنجات فكرية. نشر الشيخ الغزالي ثقافة الحرية والحوار والاختيار فكان رائداً ومُسانداً لعدد كبير من المشتغلين في العلوم الاجتماعية ممن يبحثون عن أرضية دينية لتوسيع نطاق الحريات في عالمنا العربي المكبوت وخاصة في موضوع تحرير المرأة من منظور التربية الإسلامية.
استند الغزالي في كتاباته على عدد كبير من المراجع الأصيلة والثانوية وتتميز تلك المراجع بالتنوع والدقة العلمية في أحيان كثيرة ولكنه لم يوثقها توثيقاً دقيقاً في نهاية كل كتاب من كتبه. ولعل هذا المنهج يكون أقرب لفهم عامة الناس من حيث السهولة والبساطة وهو منهج سار عليه عدد كبير من العلماء السابقين وبعض المحدثين ولكن هذا المنهج يخالف المتعارف عليه عند معظم الباحثين في المعاهد العلمية عالمياً.
عالج الشيخ مجموعة كبيرة من القضايا التي تمس النساء وقلما يشير إلى الدراسات الجامعية والكتابات الأكاديمية بل نقل بيانات وإحصاءات منشورة في الجرائد والمجلات اليومية دون الرجوع للمصادر.
المتابع لمصادر الغزالي يجد الكثير من الأفكار التي استعان بها تستند إلى اجتهاد من اجتهادات الأئمة الأربعة وغيرهم من العلماء وعادة يذكر الغزالي اسم الإمام الذي استفاد منه وذلك من باب الأمانة العلمية وأيضاً لتعزيز حجته ولا شك أنه لم يتقيد بتقليد مذهب أو إمام معين.
يزكي الغزالي في كتابه صيحة التحذير من دعاة التنصير كتاب تحرير المرأة في عصر الرسالة لعبد الحليم أبو شقة ويعتبره موسوعة من أرحب وأنفس ما كُتب في موضوع المرأة لأن فيه تحديد الموقف الإسلامي من تلك القضية الحساسة (ص 155-157).
قام الغزالي في كتابه جدد حياتك بتأييد كثير من أطروحات ديل كارنيجي (1888 – 1955 م) - في أدب النفس والسلوك - والتي توصل إليها بعد استقراء جيد لأقوال الفلاسفة ودراسات المربين كما صرح الغزالي في مقدمة الكتاب. من المعلوم أن جمع غفير من علماء المسلمين المتخصصين في التربية الإسلامية لا يحفلون كثيراً بدراسات الغربيين في العلوم الإنسانية فتأتي أبحاثهم التقليدية مليئة بالشواهد الدينية ومعزولة عن نتاج الحضارات الأخرى وهو الأمر الذي جعل الغزالي يختم كتابه السابق بنداء لعلماء المسلمين حيث حذرهم من أن "قصر باعهم في علوم الحياة هو أبشع جريمة[4] يمكن أن ترتكب ضد الإسلام" (ص 207). كان كارنيجي (Carnegie) شديد الاهتمام بتنمية بالمهارات الحياتية مثل فن الخطابة وتحفيز النفس وكسب الأصدقاء والتغلب على القلق لتحقيق النجاح الاقتصادي والتنعم في الحياة. هذه النزعة العملية أعجبت الغزالي ووجد أصولها في الإسلام فاستفاد من فكر كارنيجي كمرجع من مراجعه المتنوعة.
أشار الغزالي في كتابه حقيقة القومية إلى خطأ يقع الباحثون فيه عندما يدرسون المرأة في الإسلام وذلك بأنهم يرجعون إلى كتب التاريخ لا الحديث النبوي فتخدعهم الكتب فيخلطون الحقائق ويقعون في أخطاء كبيرة (ص 185).
ومن صفات الباحث الحر الأمين أنه لا ينساق وراء مراجع متحيزة ونتائج فكرية محددة سلفاً بل يشك فيها ويحاول أن يستفيد من مصادر محايدة فيقلب صفحاتها بصدر رحب. يعتقد الغزالي أن الشعر الجاهلي يثبت أن العرب عموما لم يهينوا المرأة كما هو شائع عند الباحثين رغم أن بعض الجاهليين كانوا يقللون من مكانتها (ركائز الإيمان، ص 239). هذه النتيجة تخالف ما ذكره المؤلف نفسه في بعض كتبه الأولى (الطريق من هنا، ص 145) مما يدل على حرصه على مراجعته الدائمة للحقائق التي يبثها، والمصادر التي يعتمد عليها.
الأصالة والمعاصرة
لا ينفك الفكر التربوي عند الغزالي عن ربط الأصالة بالمعاصرة وذلك عن طريق استلهام النافع من محاسن تراثنا الإسلامي مع مواكبة الصالح من العلوم المعاصرة. أبرز الغزالي جهود أم المؤمنين خديجة رضي الله عنها، وإسهامات عالمات الحديث النبوي الشريف، والمحسنات والمجاهدات لأنهن صنعن مجد الإسلام. ويدافع المؤلف عن أبي حامد الغزالي فيصفه بالفيلسوف المربي ويصف الإحياء بأنه "من أخصب المؤلفات في شرح آفات النفوس، وتقويم الطباع البشرية" (علل وأدوية، ص 117).
قام الغزالي في كتابه ليس من الإسلام ببيان جوهر الإسلام وحكمة توجيهاته وأكد على أن التعليم أفضل طريقة لخدمة الإسلام (ص 8). استفاد الغزالي من نظرات المربين أمثال جان جاك روسو وابن خلدون في عرض بعض أفكاره (ص14، 116). وانتقد الغزالي في كتابه كفاح دين أتباع نظرية جون ديوي داخل مصر (1895 – 1952 م) لأنهم يريدون تطبيق أفكار رائدهم في بيئة مختلفة ومن دون نقد وتمحيص. أنكر الغزالي التقليد وطالب أتباع جون ديوي في مصر بمراعاة خصوصية العصر الذي يعيشونه وطلب إليهم أن يستقلوا في التفكير كما استقلت مصر (ص 11). والحق أن تربية جون ديوي (John Dewey) تؤكد على مفهوم الخبرة (Experience) وحل المشكلات العملية (Solving practical problems) ولهذا أصبح ديوي معروفا في فلسفة التربية على المستوى العالمي لأنه براغماتي (Soltis, 2003) وهذا التوجه في بعض مضامينه لا يتناقض أبداً مع دعوة الغزالي السابقة. إلا أن أنصار ديوي يجب أن يدركوا مقومات البلد وخصوصياته إذا أرادوا تنظيم التعليم، وذلك أمر لا بد منه في رأي الغزالي (ص 11، ص 181). ويؤكد المتخصصون في الفكر التربوي أن إسماعيل القباني (1898 – 1963 م) يمكن تسميته بجون ديوي المصري لأنه وظف البراغماتية بروح مصرية أما "الأساليب التعليمية فهي منقولة حرفياً من براغماتية ديوي" (قمبر، 1995 م، ص 12) مما يعزز رأي الغزالي.
المحور الثالث: موقف الشيخ الغزالي إزاء تحديات تربية المرأة
ليس من السهل دائماً تحديد موقف الغزالي إزاء عدد من القضايا الحساسة التي تمس حركة المرأة ونموذج تعليمها لأن الشيخ قد تراجع عن بعض مواقفه السابقة وأخذ في كتاباته الأخيرة يأخذ منحى المرونة القائمة على الموازنة بين ركائز الأصالة وبين مكاسب المعاصرة. حدد الغزالي موقفه من عدد من القضايا منها: موقع المرأة في البيت وفي المجتمع ونوع التعليم المناسب لها فتحدث عن المرأة والاختلاط كما تحدث عن ثقافة المرأة ودور الحركات النسائية. فيما يلي شرح لما سبق إيراده.
موقع المرأة بين البيت والمجتمع
قال الغزالي "ويوم تتجه العقول الذكية والقلوب النقية إلى الاستمداد من الإسلام في تنظيم المجتمع، والدولة، فستكون مكانة المرأة أشرف وأسمى، وستسهم في بناء أمة نبيلة الرسالة، عريقة التاريخ" (معركة المصحف، ص 250).
كتب الغزالي - في بداية الخمسينات - فصولاً رائدة في كتابه من هنا نعلم عن المرأة والمجتمع رغم أنه غيَّر بعض أفكاره الجوهرية فيما بعد فطورها وجدد فيها. أنكر الكتاب فكرة المساواة المطلقة وأكد على أن الرجال وحدهم هم الذين يوجهون التاريخ إلى مستقبله المرسوم ورغم أن الكتاب قلل من قدرات النساء وضيق مساحة مشاركة المرأة السياسية والثقافية إلا أنه طالب بنهضة نسائية إسلامية لا تخضع إلى تقاليد الشرق والغرب. ذكر الغزالي عيوب الشرقيين في نظرتهم للمرأة فأشار إلى النقاط التالية:
1- انتقاص مكانة الأنثى فالرجل مطلقاً أفضل من المرأة.
2- حصر وظيفة المرأة بالمتعة المادية.
3- اختلال موازين العدل في التعامل مع المرأة، فالمرأة تقتل إذا زنت والرجل يترك بلا نكير.
وعدد الغزالي أهم عيوب الغربيين فأشار للنقاط التالية:
1- التسوية المطلقة للجنسين.
2- إقامة المجتمع على الاختلاط المطلق.
3- الفوضى الجنسية.
وبين الغزالي أن غلبة التقاليد الغربية على بلادنا ترجع إلى:
1- فساد التقاليد الشرقية السائدة.
2- سطوة الاستعمار الغربي.
3- سلبية الفكر الإسلامي المعاصر حيث اكتفى بالاستنكار السلبي ولم يقدم عملاً ايجابياً وبرامج هادفة لحل مشكلة المرأة (ص 141 -143).
وجه الغزالي نقداً لاذعاً للبلاد الإسلامية لأنها تجهل وظيفة المرأة في المجتمع فقال "والأمة الإسلامية الآن نصفان. نصف لا مكان للمرأة فيه كاليمن والحجاز. ونصف مكان المرأة فيه غلط..كما هي الحال عندنا في مصر" (ليس من الإسلام، ص 200). ويضاعف المؤلف نقده لظاهرة قتل الشرف فيكشف عن الموازين المختلة في المجتمع لأننا "نقتل المرأة إذا زنت ونترك الرجل لا يمسه السوء؟" (ص 2002).
طرق الغزالي في كتابه نحو تفسير موضوعي لسور القرآن الكريم بعض الموضوعات التربوية الوثيقة الصلة بالمرأة والأسرة. يمتاز الكتاب بربط التوجيهات القرآنية بمناحي الحياة ووفق نظرة ناقدة ويطالب المؤلفُ المسلمين باختيار "أشرف الأساليب لبقاء البيت المسلم يؤدي رسالته التربوية والاجتماعية، وأن يدرسوا ما يقع في أرجاء العالم من هذا القبيل" فالسائد عند البعض إنكار أن تكون للمرأة شخصية متميزة ذات إسهامات حضارية (ص 22، 49).
أشار الغزالي في كتابه حقوق الإنسان: بين تعاليم الإسلام وإعلان الأمم المتحدة إلى الرجل والمرأة في المجتمع وبسط القول في حقوقهما الاجتماعية وبدأ المؤلف المسألة ببيان مساواة الرجل والمرأة في التكليف والجزاء وأن الإسلام وزع الاختصاصات العملية توزيعاً يوافق طبائع الذكورة والأنوثة وأنكر ما شاع في أذهان نفر من المتدينين من أن النساء خلق أدنى من الرجال. وشجع المؤلف المرأة على ممارسة حقوقها السياسية ولم يمنعها من ولاية الوظائف العامة طالما أنها لا تتعارض مع طبيعتها ودورها في البيت. رغم أن الغزالي أورد بعض الدراسات الدالة على أن الرجال أكثر ابتكاراً وأن دور البيئة في التنشئة غير منكور إلا أنه يقرر أن "تربية الجنسين كليهما واجبة وأن تعليق أوسع الآمال على هذه التربية معقول. ولكن انتظار انقلاب إنساني يجعل المرأة والرجل سواء في كل شيء خطل" (ص 94). وبعد ذلك عقد فصلاً عن كيان الأسرة وأكد على أهمية غض البصر في تعامل الرجال مع النساء واعتبر غض البصر من أنواع الجهاد الأدبي ثم أشار إلى خطورة التبرج، وخطر الخلوة بالمرأة الأجنبية.
يعتبر كتاب السنة النبوية بين أهل الفقه وأهل الحديث من أشهر كتب الغزالي وقد أحدث الكتاب ضجة فكرية كبيرة بين الباحثين، فقد جمع فيه المؤلف الكثير من أفكاره النقدية في موضوع المرأة. اعتبر الغزالي أن الذين أجازوا أن يجبر الأب ابنته البالغة على الزواج بمن تكره قد انساقوا مع تقاليد إهانة المرأة وتحقير شخصيتها (ص 42). البيت هو مكان كريم عظيم ولهذا يرى المؤلف أهمية قيام المرأة برعاية منزلها وهذا التوجه لا يتعارض مع تشجيعها على خدمة المجتمع دون الإخلال بحق الأسرة ومع مراعاة الآداب الشرعية في الخروج من المنزل (ص 53). ركز الغزالي في مناقشاته على قوله جل ثناؤه "لا أضيع عمل عامل منكم من ذكر أو أنثى بعضكم من بعض" (سورة آل عمران: 195) وقوله "من عمل صالحاً من ذكر أو أنثى وهو مؤمن فلنحيينه حياة طيبة" (سورة النساء: 34) وحديث الرسول صلى الله عليه وسلم "النساء شقائق الرجال" (ص 55). هذه هي الأعمدة الأساسية لتربية المرأة المسلمة ذات الشخصية المتميزة في بيتها ومجتمعها. لا يمانع الغزالي من تربية المرأة كي تكون حاكمة أو وزيرة أو سفيرة (ص 60). أكد الكتاب على أهمية دور المسجد في تنشئة المرأة وطالب بضرورة رفع كافة العقبات التي تحد من حركة المرأة لتمارس حقوقها الدينية والثقافية في البيت والمسجد والمجتمع.
يعتقد الغزالي في كتابه صيحة التحذير من دعاة التنصير أن بعض المتدينين دون مستوى الفهم بطبيعة المجتمع الإنساني ولوظيفة المجتمع الإسلامي لأنهم يرون أنه لا عمل للمرأة إلا أن تلد الأولاد (ص 154).
الاختلاط
يؤمن عدد غير قليل من الباحثين بعدم اختلاط الرجال بالنساء في الأماكن العامة والخاصة إلا لضرورة ووفق شروط شرعية صارمة منها أن لا تكشف المرأة عن وجهها فالمرأة عند بعض السابقين "ناقصة العقل قليلة الدين ليست أهلاً لحضور المحافل" وذهب بعضهم إلى أن أصول الشريعة الإسلامية تضمنت أن "المرأة كلها عورة، بدنها وصوتها، فلا يجوز كشف ذلك إلا لحاجة" (الدلال، 2001 م، ص 49) وهي آراء قديمة ومازالت منتشرة إلى هذه الساعة في الساحة العربية إلا أن الغزالي يرفض الإذعان لها لأنها حيطة متكلفة ولا تسند إلى قطعيات الدين وبراهين العقل. ولقد شجع الغزالي النساء على حرية التحرك الفعال خارج البيت ولم يمانع من تولي النساء المؤهلات أغلب المناصب في الدولة إذا لم تتعارض متطلبات تلك المهن مع طبيعتهن ووظيفتهن في الأسرة كما سمح الغزالي للمرأة بدخول أجهزة الإعلام والمشاركة في الغناء مادام الغناء شريف الغرض، عفيف الأداء (الحق المر، ج 3، ص 232).
شرح الغزالي في كتابه هذا ديننا طبيعة الحياة بين الرجل والمرأة وحذر من إقحام المرأة في كل مجال (ص 142) ويرى المؤلف في هذا الكتاب أن الإسلام يرفض ازدواج التعليم، فلكل من الجنسين مدارسه وجامعاته" (ص 183). ولقد تراجع الغزالي عن هذا الرأي فيما يتصل بالاختلاط المحتشم في المرحلة الجامعية كما سوف نرى لاحقا. وطالب الغزالي بضرورة السماح للمرأة بارتياد المساجد والمدارس، وبين أن سفور الوجه ليس محرماً، وأكد أن تدريب المجتمع على تطبيق الفضائل والآداب العامة "يحتاج إلى تربية على نطاق أتم وأشمل" (من هنا نعلم، ص 160 - 166).
يرى الغزالي أن المرأة يمكنها أن تعمل في تدريس الأطفال إلى سن التاسعة أو الحادية عشرة (حقوق الإنسان، ص 96). وهنا نجد الغزالي قد يختلف عن بعض أقرانه من العلماء الذين يطالبون بفصل الطلاب عن الطالبات ومنع كل ما يحوم حول الاختلاط مهما كان أمره (ابن عثيمين ، 2003 م). قد لا يعتمد التوجه على نص قطعي مباشر ولكنه يعتبر الأضرار الناتجة تقود إلى منع كافة صور الاختلاط.
وافق الغزالي على اختلاط البنين والبنات في جامعة الأمير عبدالقادر للعلوم الإسلامية في الجزائر وكان ذلك في دائرة الأدب والحياء. ولكن الغزالي حذر من التعليم المختلط في المدارس الثانوية لأنه جمع يوقد الشر ويؤجج المشاعر عند المراهقين فطبيعة هذه المرحلة لا تسمح بذلك وستكون الدراسة فاشلة كما طالب بتوحيد زي الطالبات في جميع مراحل التعليم (الحق المر، ج3، ص 38). وهكذا لم يمنع الغزالي الاختلاط بين الجنسين على إطلاقه بل فصَّل في الأمر.
لا يؤمن الغزالي بنشر العفة من خلال عزل المرأة وحبسها ولا يؤمن بالاختلاط المطلق لأن تلك الطرق من أفشل ضروب التربية (ليس من الإسلام، ص 205). وهكذا فإن الغزالي يرفض التشدد في منع الاختلاط لأن ذلك المنهج القائم على الحيطة المفرطة لن يوطد أركان النظام في المجتمع. إن ارتفاع المستوى الخلقي عند الجنسين مع مراعاة الآداب العامة سيجعل السلوك أكثر انضباطاً وأقل تفلتاً والاعتدال في كل حال هو الصواب.
يجب أن يكون الاختلاط بصورة لا تؤدي إلى استثارة الغرائز ونشر الفوضى وعن الأسلوب الأمثل في العلاقة بين الرجال والنساء شرح الغزالي الفرق بين التبرج وبين التجمل فالتبرج إثارة مفتعلة للفت الأنظار, أما التجمل فهو "صون الجسد واستبقاء محاسنه الطبيعية واستبعاد ما يشينها أو يشوهها, وذلك لا حرج فيه بل هو مطلوب" (من مقالات الشيخ محمد الغزالي، ج2، ص 48). وتحدث الغزالي عن ملابس النساء فقال "فمن الواجب ابتكار أزياء تجمع بين الفضيلة والجمال، وتمنع التبرج والفساد" (معركة المصحف، ص، 244). وهكذا فإن الغزالي لا يتفق تماما مع الكثير من الفتاوى الشائعة والأعراف الراسخة المقيدة للباس النساء.
الحركات النسائية ودورها التربوي المأمول
نجحت الحركات النسائية في توليد الإحساس وتوجيه الانتباه إلى أن المرأة في عالنا العربي تتعرض لأشكال من الظلم على المستوى الاجتماعي ولكن تلك الحركات العاملة يجب أن لا تقابل التطرف بتطرف مثله فلا تترك موروثات الشرق كلها وتقبل غيرها دون قيد ولا ضابط. من هنا ندرك دعوة الغزالي الحكيمة لرواد النهضة النسائية إلى مراجعة محاسن التراث الإسلامي لمساندة قضاياهم النزيهة إذا أرادوا أن يربطوا حركتهم بالأصالة ويبتعدوا عن المزالق. وقد نجح المتطرفون في توظيف سلبيات التراث لتعزيز فكرة تحقير المرأة فلماذا لا تستمد الحركة النسائية محاسن التراث لتكريم وتمكين المرأة؟ هذا الاتجاه لا يجرِّم الإفادة من سائر الأمم إذا حافظنا على هويتنا المتميزة. يتفق الغزالي مع الحركات النسائية في الإحساس بالمشكلة وهذا شق مهم ولكنه يختلف معهم جذرياً في منهج المواجهة وآليات المعالجة. لقد حقق الغزالي سبقاً حاسماً في الانفتاح المتزن على الحركات النسائية في الحقل الإسلامي وغيره وعمل جاهداً لتوجيهها نحو الأصالة لتمارس دورها التربوي في التحرير. يرى الغزالي أنه "لا تزال الحاجة ماسة إلى حركة نسائية مؤمنة عاقلة" (حقيقة القومية، ص 203).
يقودنا فكر الغزالي لمراجعة شاملة للتقاليد والأعراف العربية أو الغربية التي تحكم حياة المرأة مع الإفادة الموضوعية من تجارب الحركة النسائية. ما زلنا في العالم العربي ننظر للنهضات العالمية في الحقل النسوي نظرة سطحية بعين واحدة تحصي الزلات ولا تتدارس المكاسب. يرى الغزالي أن السكوت عن تقصير المسلمين في حق المرأة لا يقل شراً عن تمجيد التجربة الغربية ولا بد من عودة حميدة لمبادئ ديننا لرسم الرسالة الحضارية للمرأة المسلمة.
لم يتحرج الغزالي من الإفادة من سيرة ومواقف المتميزات في الغرب أمثال "تاتشر" و"الأم تريزا" رغم أن هذا الانفتاح يؤلب عليه خصومه ولكنه لم يكترث لردود الأفعال الصادرة من المعارضين لنهجه. التربية عند الغزالي تعتمد على التفاعل الحضاري في ميدان الثقافة وتبادل التجارب الناجحة مع المحافظة على روح الاستقلال. وفي نفس اللحظة أشار الغزالي إلى غطرسة الغرب وغروره في مسألة المرأة فإن التناقضات الصارخة في استغلال أجساد النساء تكشف زيف الحضارة المادية المعاصرة إلا أن لوم الغرب قد يقل عندما ندرك أن حضارة الغرب لا تستمد مفاهيمها وأطرها من دين معصوم. ويظل العتاب الأكبر موجهاً للمسلمين ممن يملكون رؤية إنسانية خالدة تكرم المرأة ثم يمارسون بعض أنماط الظلم الاجتماعي لمدة قرون عديدة. هذه الحقيقة المرَّة تستدعي دراسات جادة لسبر غورها وتجلية غموضها بصورة منهجية كي نمكِّن الحركة النسائية من ممارسة مهامها الإنسانية في إطار شرع الله وبعيداً عن العادات الراكدة والوافدة.
المحور الرابع: آراء الغزالي وتطوير تعليم المرأة
كيف نستفيد من تراث الغزالي عملياً في تطوير مناهج التعليم وفي مضمار التوعية الجماهيرية؟ يمثل منهج الغزالي في التوجيه الجماهيري ثروة هائلة تشمل مقالات جريئة، وكتب هادفة، وخطب مؤثرة، ومواقف نادرة "فهي ذخيرة لكل مسلم" كما يقول القرضاوي (ص 58). يستطيع المربون انتقاء مقطوعات تربوية وتعليمية من ذلك الفكر الأصيل النابض وتسخيره لنهضة حضارية تقوم على توظيف طاقات المرأة المعطلة، وجعل قضيتها ركيزة إيمانية لبناء فلسفة واضحة وتحديد معالم استراتيجية محددة لتثقيف المرأة، وتصويب المفاهيم الشعبية الخاطئة، ومراجعة الموروثات الفكرية الشائعة كوظيفة أولى للتربية، والرد على شبهات الغلاة، والتعريف بالتربية الإسلامية عالمياً.
يتمركز فكر الغزالي حول مفهوم إصلاحي هام وهو أن مواجهة التدين الفاسد يكون بالتدين الصحيح لا بترك الدين كما فعل بعض المشتغلين بموضوع تحرير المرأة. وجد الغزالي أن تحرير المرأة لا يكون بإقحامها في وظائف لا تناسبها ولا يتحقق التحرير الفعلي بتهوين دور البيت فتترك المرأة مهنتها الأساسية في المنزل كي تزاول وظيفة كمالية لا تحكمها العلاقات المهذبة. طالب الغزالي بتشجيع الواعظات المجيدات لإلقاء الخطب في مساجد العواصم الكبرى في عالمنا الإسلامي كما طالب بتشجيع النساء على مواصلة التحصيل الدراسي والتخصص في أدق العلوم.
يحث الغزالي المرأة على السير والسفر لتتسع مداركها، وتنصقل تجاربها، وتزيد ثقتها، و



